تاريخ الخيبات المتبادلة بين أمريكا وسوريا من الاستقلال وحتى 2026
محمد عبد الكريم يوسف
المقدمة
تُعدّ العلاقات السورية-الأمريكية واحدة من أكثر العلاقات الثنائية تعقيداً في الشرق الأوسط، إذ اتسمت منذ نشأتها بتقلبات حادة بين محاولات التقارب وخيبات متبادلة متكررة. فمنذ استقلال سوريا عام 1946، مرّت هذه العلاقة بمراحل من التعاون الحذر، والقطيعة الدبلوماسية، والعقوبات الاقتصادية، والتدخل العسكري، قبل أن تشهد تحولاً جذرياً عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024.
غير أن هذا التحول لم يكن الأول من نوعه، بل جاء بعد ثمانية عقود من “الخيبات المتبادلة” التي شكّلت ذاكرة العلاقة بين البلدين. فما هي هذه الخيبات؟ وكيف تراكمت عبر العقود؟ وما هي دلالاتها في ضوء التحولات الراهنة؟
يهدف هذا البحث إلى تحليل تاريخ الخيبات المتبادلة بين الولايات المتحدة وسوريا منذ استقلال سوريا وحتى عام 2026، من خلال تقسيم هذه الفترة إلى مراحل تاريخية متميزة، وتحليل طبيعة الخيبة في كل مرحلة، وأثرها على مسار العلاقة الثنائية.
أولاً: الإطار المفاهيمي — الخيبة في العلاقات الدولية
الخيبة في العلاقات الدولية ليست مجرد شعور نفسي، بل هي نتاج فجوة بين التوقعات والواقع. وتنشأ هذه الفجوة عندما يُقدّم طرف ما وعوداً أو التزامات لا يفي بها، أو عندما يُسيء تقدير نوايا الطرف الآخر وقدراته. وفي سياق العلاقات السورية-الأمريكية، تتخذ الخيبة أشكالاً متعددة: خيبة سوريا في الوعود الأمريكية بالدعم والاستقلال، وخيبة أمريكا في قدرتها على “تغيير سلوك” دمشق عبر العقوبات أو الحوار.
ويُظهر تحليل للعلاقات الثنائية أن “الولايات المتحدة اعتمدت منذ عقود مقاربة قائمة على الضغط والعقوبات، لكنها فشلت في إحداث تغيير سلوكي حقيقي”. وهذا الفشل هو جوهر الخيبة الأمريكية: إدراك أن الأدوات المتاحة لا تحقق الأهداف المرجوة. في المقابل، خابت سوريا في توقعاتها بأن الولايات المتحدة ستلعب دوراً وسيطاً نزيهاً في الصراع العربي-الإسرائيلي، أو أنها ستقدم دعماً فعلياً للتغيير الديمقراطي دون شروط.
ثانياً: المرحلة الأولى (1946-1970): من الأمل إلى القطيعة
2.1 بدايات واعدة: الاعتراف والدعم
بدأت العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين دمشق وواشنطن عام 1945، قبل استقلال سوريا الكامل في 17 أبريل 1946. وقد “دعمت الولايات المتحدة مطالب السوريين بإنهاء الوجود العسكري الفرنسي والبريطاني، ووقف الرئيس الأمريكي هاري ترومان بوضوح ضد المساعي الفرنسية لاستمرار الانتداب على سوريا، مما أسهم في استقلالها الكامل”. وقد أقامت سوريا علاقات دبلوماسية رسمية مع واشنطن عبر تعيين أول مفوض سوري في 30 يناير 1945، وشهدت هذه المرحلة توقيع اتفاقات تجارية، من بينها اتفاق التطوير والتحديث بين شركة بان أميركان والشركة السورية للطيران في يوليو 1947.
2.2 الخيبة الأولى: انقلاب 1949
كانت الخيبة الأولى في العلاقة هي الانقلاب الذي قاده حسني الزعيم في 30 مارس 1949، والذي “عُرف بدعم الولايات المتحدة له، ويُعتبر فاتحة تدخل الجيش في السياسة السورية”. وقد صدّق الزعيم خلال فترة حكمه القصيرة على اتفاقية مرور أنابيب النفط التابعة لشركة “التابلاين” الأمريكية عبر الأراضي السورية، ثم أُعدم بعد انقلاب آخر في أغسطس من العام نفسه. وبالنسبة للأمريكيين، كان هذا “تجربة فاشلة”، بينما نظر السوريون إلى التدخل الأمريكي في أول انقلاب عسكري في تاريخهم كخيبة للوعود بالدعم الديمقراطي.
2.3 القطيعة الدبلوماسية 1957
تصاعدت الخيبة المتبادلة مع اشتداد الحرب الباردة وتقارب دمشق مع القاهرة وموسكو. وفي 12 أغسطس 1957، أعلنت الحكومة السورية “اكتشاف محاولة أمريكية للإطاحة بالنظام”، وطردت ثلاثة دبلوماسيين أمريكيين، فردت واشنطن بطرد السفير السوري فريد زين الدين. وقد “اتهم السوريون الولايات المتحدة بالتدخل والضغط واللعب بالعرب ضد العرب”. وعندما وقعت سوريا اتفاقية مساعدات اقتصادية وتقنية مع الاتحاد السوفيتي في أكتوبر 1957، اعتبرت واشنطن ذلك “مرحلة أخرى في العلاقات السورية المتراجعة بسرعة مع الولايات المتحدة”. وهكذا تحولت الخيبة إلى قطيعة دبلوماسية كاملة عام 1957، لم تُستأنف إلا بعد انهيار الوحدة مع مصر عام 1961.
2.4 ما بعد البعث وحرب 1967
بعد استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1963، “اتجهت العلاقات السورية الأمريكية نحو مزيد من التوتر والقطيعة، ولا سيما بعد حرب 1967 واحتلال إسرائيل للجولان السوري”. وقد قطعت سوريا علاقاتها الدبلوماسية مع واشنطن في اليوم التالي لحرب يونيو 1967. وفي هذه المرحلة، بلغت الخيبة ذروتها: فبينما رأت واشنطن في دمشق “تهديداً إقليمياً” وخصماً في الحرب الباردة، اعتبرت سوريا الولايات المتحدة “راعية لإسرائيل ومصالحها”.
ثالثاً: المرحلة الثانية (1970-2000): بين الوساطة والخيبة
3.1 انفراج نيكسون واتفاقيات السلام
شهدت العلاقات انفراجاً نسبياً في أعقاب حرب أكتوبر 1973، حيث “زار الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون دمشق عام 1974 في أول زيارة لرئيس أمريكي إلى سوريا، لتُستأنف بذلك الاتصالات الدبلوماسية”. وتواصل الحوار لاحقاً خلال عهد الرئيس جيمي كارتر، ودخلت العلاقات مرحلة تقارب أكبر مع مشاركة سوريا في التحالف الدولي لتحرير الكويت عام 1991.
غير أن هذه المرحلة حملت خيباتها الخاصة. فرغم فرض الولايات المتحدة عقوبات على سوريا عام 1979 بعد إدراجها كدولة راعية للإرهاب، إلا أن القنوات الدبلوماسية لم تنقطع، واستمرت واشنطن في لعب دور الوسيط في مفاوضات السلام. وقد انخرط الرئيس حافظ الأسد في مفاوضات سلام غير مباشرة، لكنه “لم يزر واشنطن قط، واقتصر على اجتماع مع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في جنيف عام 2000”. وهكذا خابت آمال سوريا في أن تثمر المفاوضات سلاماً شاملاً يعيد الجولان، بينما خابت آمال واشنطن في أن تنجح وساطتها في إحداث اختراق استراتيجي.
رابعاً: المرحلة الثالثة (2000-2011): من الحوار إلى العزلة
مع تولي بشار الأسد السلطة عام 2000، “بدأت العلاقات بمحاولات محدودة للحوار، سرعان ما تبددت لتتصاعد التوترات بشكل حاد في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، وغزو العراق عام 2003، واغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري 2005”. وقد أقر الكونغرس الأمريكي عام 2003 “قانون محاسبة سوريا” الذي فرض قيوداً على الصادرات وحظر بعض التعاملات التجارية. وبعد اغتيال الحريري، “سحبت واشنطن سفيرتها من دمشق وفرضت إجراءات عقابية إضافية”. وهكذا تحولت العلاقة من محاولات حوار محدودة إلى عزلة متصاعدة، حيث رأت واشنطن في دمشق “عقبة استراتيجية” بسبب دعمها لقوى المقاومة وتحالفها مع إيران.
خامساً: المرحلة الرابعة (2011-2024): الحرب والعقوبات والقطيعة التامة
شكّل اندلاع الثورة السورية في 18 مارس 2011 “نقطة تحول كبرى، إذ انتقلت العقوبات من استهداف أفراد وشخصيات إلى استهداف قطاعات اقتصادية حيوية”. وقد فرضت واشنطن عقوبات على قطاع النفط السوري، وجمّدت الأصول، وفرضت قيوداً واسعة على التعاملات المالية، مع “تجميد كامل للعلاقات الدبلوماسية”.
5.1 خيبة التدخل العسكري
في عام 2015، “بدأت القوات الأمريكية عملياتها البرية في سوريا، حيث وصل عدد من عناصر الوحدات الخاصة إلى مناطق في شرق وشمال البلاد، لتشكيل تحالف مع ميليشيات محلية وفصائل معارضة للنظام، ضد تنظيم داعش”. غير أن هذا التدخل واجه خيبات متعددة. فمن جهة، اتهمت المعارضة السورية إدارة أوباما بـ”الخذلان” بعد أن “خدعت السوريين الذين حلموا بتغيير سلمي في بلدهم، ثم تخلت عنهم بكل بساطة”. ومن جهة أخرى، اعتبر بومبيو أن “التخلي عن الحلفاء الأكراد في سوريا كارثة أخلاقية واستراتيجية للولايات المتحدة”.
5.2 قانون قيصر (2019-2020)
كان قانون قيصر، الذي أقرّه الكونغرس في ديسمبر 2019 ودخل حيز التنفيذ في يونيو 2020، الذروة في سياسة العقوبات الأمريكية. وقد سُمّي القانون “تيمناً بمصور مجهول وثّق الفظائع في سجون الأسد”، و”قيّد بشدة الاستثمار وعزل سوريا عن النظام المصرفي الدولي”. ورغم أن القانون استهدف نظام الأسد، إلا أن آثاره طالت الاقتصاد السوري بأكمله، مما فاقم المعاناة الإنسانية. وهذا ما دفع النائب الأمريكي جو ويلسون إلى التعبير عن “خيبة أمله إزاء استمرار بعض قيود التصدير الأمريكية على سوريا”.
5.3 الانسحاب الجزئي والتخلي عن الأكراد (2019)
في أكتوبر 2019، “أثارت الولايات المتحدة غضباً عندما سحبت قواتها من شمال شرق سوريا، تاركةً المناطق الكردية مفتوحة لهجوم تركي أدى إلى مقتل المئات وتشريد عشرات الآلاف”. وقد عبّر الأكراد عن شعورهم بـ”الخيانة”، حيث “كانوا يعتصرون ألماً” لترك حليفهم السابق، الولايات المتحدة. وصرّح أحد الناشطين الأكراد بأنه “لم يشعر أبداً بأن الدعم الأمريكي كان حقيقياً”، مشبهاً “تعامل واشنطن مع الناس بوساطة عقارية”. وكان هذا التخلي “حلقة في سلسلة طويلة من الخيانات الكردية من قبل الولايات المتحدة”.
سادساً: المرحلة الخامسة (2024-2026): من العقوبات إلى الشراكة الهشة
6.1 سقوط الأسد والانفتاح الأمريكي
أدّى سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 إلى تحول جذري في العلاقات. “انطلقت دمشق وواشنطن في مسار دبلوماسي جديد أعاد صياغة التوازنات في المنطقة”. وفي 10 نوفمبر 2025، زار الرئيس أحمد الشرع واشنطن، ليصبح “أول رئيس سوري يستقبل رسمياً بالبيت الأبيض منذ استقلال سوريا عام 1946”. وقد أعلن ترامب عزمه رفع العقوبات، وفي 18 ديسمبر 2025، وقّع على مشروع قانون موازنة الدفاع لعام 2026 الذي تضمّن إلغاء قانون قيصر.
6.2 الخيبة الكردية الأخيرة (2026)
رغم هذا الانفتاح، لم تخلُ المرحلة الجديدة من خيبات جديدة. فقد “تخلّت الولايات المتحدة عن حلفائها الأكراد، قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ورمت بدعمها خلف الحكومة الجديدة للرئيس أحمد الشرع”. وفي يناير 2026، أجبرت الضغوط الحكومية قائد قسد مظلوم عبدي على قبول اتفاق لدمج الأكراد في الدولة، مما مثّل “ضربة قاتلة لتطلعاتهم الطويلة إلى الحكم الذاتي”. وقد وصف مبعوث ترامب توم باراك الاتفاق بأنه “نقطة تحول حيث يعتنق الخصوم السابقون الشراكة”، لكن الأكراد رأوا فيه “خيانة” بعد مساهماتهم في الحرب ضد داعش.
6.3 الانسحاب العسكري النهائي (أبريل 2026)
في 16 أبريل 2026، “أخلت القوات الأمريكية قاعدتها الأخيرة في شمال شرق سوريا، منهيةً بذلك شراكة استمرت أكثر من عقد مع قوات سوريا الديمقراطية”. وقد جاء هذا الانسحاب ليؤكد نمطاً تاريخياً في السياسة الأمريكية: “خيانة الحلفاء المحليين عندما تتغير الأولويات الاستراتيجية”.
سابعاً: تحليل الخيبات المتبادلة — الأنماط والدلالات
يكشف تحليل تاريخ العلاقات السورية-الأمريكية عن أنماط متكررة من الخيبات المتبادلة:
الخيبات السورية في أمريكا: تشمل خيبة الوعود بالاستقلال والدعم (1946-1949)، وخيبة الوساطة الأمريكية في مفاوضات السلام (1991-2000)، وخيبة “الخذلان” أثناء الثورة (2011-2013)، وخيبة العقوبات التي طالت الشعب دون النظام. وقد تجسّدت هذه الخيبات في شعور عام بأن الولايات المتحدة “تتخلى عن حلفائها” و”لا يمكن الوثوق بها”.
الخيبات الأمريكية في سوريا: تشمل فشل انقلاب 1949 في تحقيق الاستقرار، وفشل سياسة العقوبات في “إحداث تغيير سلوكي”، وفشل التدخل العسكري في تحقيق أهدافه، وفشل جهود “بناء الدولة” بعد 2011. وقد أقرت مراكز أبحاث أمريكية بأن “سياسة الولايات المتحدة منذ 2011 فشلت في تحقيق نتائج إيجابية”.
الخاتمة
يُظهر هذا التحليل أن العلاقات السورية-الأمريكية كانت، على مدى ثمانية عقود، سلسلة متصلة من الخيبات المتبادلة. فسوريا خابت في توقعاتها من واشنطن كراعٍ للاستقلال ووسيط نزيه، بينما خابت أمريكا في قدرتها على تغيير سلوك دمشق عبر العقوبات أو الحوار. ومع كل انفراج، كان يعقبه قطيعة، ومع كل وعد، كان يعقبه تخخلٍّ.
والمرحلة الراهنة (2024-2026) ليست استثناءً. فبينما يتحدث الجانبان عن “الشراكة” و”التعافي”، تظل الخيبة الكردية الأخيرة شاهداً على أن نمط “التخلي المفاجئ” لم ينتهِ بعد. والسؤال الحاسم ليس ما إذا كانت العلاقة ستتحسن، بل هل يمكن بناء ثقة متبادلة بعد كل هذه الخيبات؟ التاريخ يشير إلى أن الإجابة ستكون صعبة، لكن ليس مستحيلة.
المراجع
- “العلاقات السورية الأمريكية.. كيف تحول المسار من العقوبات إلى الشراكة؟”، سانا، 8 يوليو 2026.
- “U.S. Strategy in Syria Has Failed,” Foreign Affairs, 25 يناير 2021.
- “The United States needs a new Syria policy,” Brookings, 29 يناير 2021.
- “دمشق في البيت الأبيض: الزيارة التي كسرت نصف قرن من العزلة”، صحيفة العرب، 12 نوفمبر 2025.
- “الشرع أول رئيس سوري يزور البيت الأبيض”، RT Arabic، 10 نوفمبر 2025.
- “The 1957 American-Syrian Crisis,” Globalist Policy in a Regional Setting, 2018.
- “U.S. EXPELS ENVOY OF SYRIA AS REPLY TO 3 AIDES’ OUSTER,” The New York Times, 14 أغسطس 1957.
- “الموقف الأمريكي من انقلاب حسني الزعيم في سوريا في عام 1949م”، مجلة الجامعة الأردنية، 9 يوليو 2018.
- “Syria Sanctions,” U.S. Department of State, 2 سبتمبر 2026.
- “Syria’s Kurds feel disappointed, abandoned by US after Damascus deal,” Al-Monitor, 19 يناير 2026.
- “U.S. Pivot in Syria Leaves an Old Ally in the Lurch,” The New York Times, 21 يناير 2026.
- “50 عامًا من تحالفات واشنطن المتقلبة.. خيبات وانكسارات ‘التخلي المفاجئ’”، التلفزيون العربي، 25 يناير 2026.
- “بومبيو: التخلي عن الحلفاء الأكراد في سوريا كارثة أخلاقية واستراتيجية”، RT Arabic، 26 يناير 2026.
- “Trump’s betrayal of his Kurdish allies in Syria should have been no surprise,” Middle East Eye, 22 يناير 2026.
- “The United States Exiting Kurdish Syria Is a Mistake,” Middle East Forum, 21 أبريل 2026.
- “عن خذلان السوريين والأكراد، والأفارقة”، الجمهورية، 2024.
- “Syrian opposition forces feel let down by Obama,” AP News, 11 سبتمبر 2013.



إرسال التعليق