رسالة في يوم التقديس الأخير
محمد عبد الكريم يوسف
من هناك، من حيثُ لا تصلُ أصواتُكم إليَّ، ولا تبلغُ دمعاتُكم مقامي، أكتبُ إليكم هذه الرسالة. أكتبُها لا
لأُبكّيَكم، بل لأفتحَ أعينَكم على تلك المفارقة العجيبة التي تصنعونها كلّما غادرَ أحدُكم هذه الدنيا.
أنتم الآن في “يومِ تقديسي الأخير”، كما أحببتم أن تُسموه، وأنا بين أطباقِ الثرى أتأمّلُ في دهشةٍ تلك
اللوحاتِ السريالية التي ترسمونها عني، فاسمحوا لي أن أكون صريحاً معكم… فأنا اليومَ لا أخافُ من
أحد.
أيها الأهلُ والأحبّة،
في حياتي، كنتم تُغلقونَ هواتفَكم حينَ أتّصل، وتتثاءبونَ حينَ أُحدّثكم، وتتهموني بالجنونِ حينَ أطلبُ منكم
قضاءَ حاجة. أما اليومَ، فها أنتم تتصارعونَ على أبوابِ المسجدِ لتحملوا نعشي، وكأنّ في حملِهِ عبوراً إلى
جائزةٍ كبرى. بالأمسِ، كنتم تقولون: “كفىً حديثاً، لقد أثقلَ علينا”، واليومَ تقولونَ بصوتٍ جهوريّ: “كانَ
أفصحَ الخطباءِ، وكانَ كلامُه نوراً على نور”.
يا للهول! أهذا أنا حقاً؟ أم أنّ الموتَ عندكم يُكسِبُ الناسَ نبوءاتٍ لم تكن فيهم؟
أرى في مجلسِ عزائي لوحةً فنيةً رائعةً رسمتموها لي، جعلتموني فيها ملاكاً يطيرُ بأجنحةٍ من ذهب،
متوجاً بهالةِ القديسين. تصفونني بالكرمِ الفياض، وأنتم تعلمون – إن كنتم صادقين مع أنفسكم – أنّني كنتُ
أحسبُ كلَّ قرشٍ أنفقه على الخبز. تصفونني بالحلمِ والصبر، وأنتم تذكرون جيداً نوباتِ غضبي التي
كانت تُطيّرُ النومَ من عيونِ الجيران.
ما هذا النفاقُ الجميلُ الذي تتقنونه أيها البشر؟ إنّكم تجعلون من حياتي روايةً خيالية، وتدفنون حقيقتي معي
في القبر، وكأنّكم تخشون أن يفضحَكم الموتى إذا تكلموا، فتستبقون الأمر بتزكيتي كي لا تشعروا بذنبِ
تقصيرِكم معي وأنا حيّ.
أما مشهدُ الورثةِ فله حكايةٌ أخرى،
أراكم الآنَ تتجمعون حولَ جثماني، تتنافسونَ في إظهارِ الحزنِ العميق، ولكنّني أرى بأم عينيَّ ما تخفونَ
وراءَ الجيوبِ والظنون. تلك الرسائلُ التي تتبادلونَها تحتَ الطاولات، وتلك النظراتُ الخاطفةُ نحوَ خزانتي
وخاتمي، هي لوحتكم السريالية الموازية. تبكونني بأفواهكم، وتُقسّمونني بأعينكم.
كنت في حياتي أملكُ بيتاً متواضعاً وسيارةً قديمة، وكنتم تتذمرونَ من ضيقِ العيش. أما اليومَ، فإذا بالبيتِ
يصبحُ “إرثاً تاريخيّاً” والسيارةُ تتحولُ إلى “تحفةٍ نادرة”. أتدرون ما الذي تغيّر؟ لقد تغيّر أنني لم أعد
موجوداً لأتصدى لكم، فصرتم تتصارعونَ على ظلي كما تتصارعُ الكلابُ على عظمةٍ لا لحمَ عليها.
وأغربُ من ذلك كله،
أنني أنظرُ إليكم الآن، وأنتم تبكونَ بشدةٍ على فراقي، بينما أتذكرُ أنّ أحدَكم لم يزرني في مرضِي، وآخرَ
لم يجبْ على مكالماتي، وثالثاً كانَ يتمنى لو أموتُ لأرتاحَ من مشاكلي. ولكنّكم اليومَ تجلسونَ في مجلسِ
العزاء، تُذيبونَ قلوبَ الحاضرينَ بحكاياتٍ عن حبي لكم، وكأنّ حياتَنا كلَّها كانت جنةً وردية.
أنا هنا، في قبري، أقولُ لكم بكلّ صراحة: لا تبكوني، فإنّكم لم تبكوني وأنا بين أظهرِكم. ابكوا على
أنفسِكم، وابكوا على من بقيَ حياً بينكم، فإني اليومَ في عالمٍ لا تنفعُ فيه سيرتي الذاتيّةُ المزوّرة، ولا
توصياتُكم المجانية. إنّ اللهَ لا يحتاجُ إلى شهاداتِ حسنِ سلوكٍ تُكتبُ على عجلٍ في خيمةِ العزاء.
أيتها العائلة،
إنّ أقسى ما في الموتِ ليسَ فراقَ الجسدِ، بل رؤيتُكم تُمارسونَ ألوانَ الرياءِ على قبري. لقد كنتُ في
حياتي أتمنى لو تعاملوني بهذا الحبِّ الذي تظهرونه الآن. كنتُ أتمنى لو تمنحوني نصفَ هذه العاطفةِ وأنا
أستطيعُ أن أردَّها لكم، أو أن أبتسمَ لكم فرحاً بها. لكنّكم آثرتم أن تكنزوا حبَّكم ليومِ مماتي، وكأنّ العاطفةَ
عندكم بضاعةٌ تُسدَّدُ عندَ انتهاءِ الصلاحية.
أمّا آخرُ ما أوصيكم به من قبري،
فلا تُضيِعوا جهدَكُم في رسمِ لوحاتِ التقديسِ لي، فاللوحاتُ التي تُرسمُ للحياةِ أجملُ وأبقى. أحسنوا إلى
جارِكم الحي، وامسحوا دمعةَ يتيمٍ ما زالَ يبكي بينَ أيديكم، واقضوا حاجةَ محتاجٍ قبلَ أن يموتَ حاجةً.
تذكّروا دائماً أنَّ الميتَ لا تنفعهُ كلماتُ المدحِ، بل تنفعهُ دعوةٌ صادقةٌ، وأما الحيُ فتَنفعهُ كلمةٌ طيبةٌ وبسمةٌ
صادقةٌ ويدٌ ممدودةٌ بالعطاء.
لا تجعلوا موتي درساً لكم، بل اجعلوا حياتي – بحلوها ومرِّها – عبرةً. فواللهِ، لستُ بحاجةٍ إلى أن
تُنصبوني قديساً، فما كنتُ كذلك، وأنا لا أطيقُ التمثيلَ على هذا النحو. فأنا الآنَ في رحمةِ ربي، وهو
أدرى بما كنتُ وما صرتُ، فدعوني وشأني، واذهبوا إلى أحيائكم فبارّوهم، وصلوا أرحامَهم، وتذكروا:
“ما كانَ عطاؤُكم للموتى إلا هروباً من مسؤوليةِ الأحياء”.
ومن هناك، ومن تحتِ التراب، أدعو لكم بالمغفرةِ والعافية، لا لأنّكم استحققتُم ذلك بمديحكم المزيف، بل
لأنّ الرحمةَ صفةُ المؤمنين، وحتّى لا أكونَ مثلكم، أنتقمَ منكم بصمتِ القبورِ، فأنا أفضلُ أن أسامحَكم،
راجياً أن تتذكّروا رسالتي كلّما وقفتم على قبرِ أحدٍ، أن تسألوه: هل كنتَ تُحِبُّني وأنا حيّ كما تحبُّني اليومَ
وأنا ميِّت؟
والسلامُ على من اتّبعَ الهدى، وعاشَ للحياةِ لا للموت.


إرسال التعليق