أزمة غلق مطار النجف الدولي بوجه الطائرات الإيرانية:(الأسباب، السيادة، والتداعيات)
الكاتب/اسعد عبدالله عبدعلي
يبدو أن الركوع للإملاءات الأمريكية لم يعد مجرد مسألة سياسية، بل تحول إلى “رياضة وطنية” يُبدع فيها البعض! فبينما كنا نتوقع هذا الانصياع الكوميدي من دول الخليج كالعادة وكأنه أمر طبيعي في جدول أعمالهم اليومي، جاءت المأساة الهزلية الكبرى من الحكومة العراقية التي قررت أن تتفوق على الجميع في “مسابقة أسرع استجابة لتلفونات الخزانة الأمريكية”؛ حيث أطلت علينا بقرار إغلاق بوابات مطار بغداد والنجف الأشرف بوجه الطائرات الإيرانية! ولا داعي للدهشة، فالسبب ليس إلا تنفيذ الأوامر السامية للعم سام “ترامب” وعنجهيته الاستعمارية.
والأجمل من القرار نفسه هو تلك التبريرات المضحكة والمثيرة للشفقة التي يسوقها المنهزمون، حين يحاولون إقناعنا بأن هذا العار مجرد “تحوط مالي وإجراء تنظيمي”، وكأننا لا نفهم أنها طعنة صريحة ومضحكة في ظهر السيادة الوطنية! إنهم يرقصون على أنغام المحتل ليرضوا أرباب العقوبات،
في مهزلة علنية تخنق أركان الجمهورية الإسلامية وتطبخ الحصار الجائر، ضاربين بعرض الحائط الترابط التاريخي والديني بين الشعبين. والنتيجة؟ تضحية بآلاف الزوار وتدمير شامل لقطاعات السياحة الدينية في أرض المقدسات، كل ذلك فقط كي لا يغضب السيد الأمريكي، ولتبقى كرامة البلد مرهونة بكلمة من موظف صغير في واشنطن! تحت ذريعة الخوف من العقوبات!
· عندما تُدار المطارات بريموت الخزانة الأمريكية!
يبدو أن الرعب من ورقة صامتة تصدر من وزارة الخزانة الأمريكية قد تحوّل إلى مسرحية هزلية مكتملة الأركان في مطاراتنا؛ حيث يتدافع الجميع لإرضاء العم سام وكأن شحنة وقود واحدة لطائرة إيرانية ستسقط السماء على رؤوسهم!
فتحت شماعة “العقوبات الثانوية” والبعبع المسمى بنظام “سويفت”، هرولت شركات المناولة والخدمات الأرضية في مطاري بغداد والنجف لتعلن امتناعها الفني المضحك، وتتوقف عن تزويد طائرات بالوقود، في مشهد يطفح بالتخاذل قبل حتى أن يصدر أي قرار سياسي رسمي.
والمأساة الأكبر تكمن في تلك القرارات والتوجيهات الحكومية الصادرة بسرعة من مكتب رئيس الوزراء وسلطة الطيران المدني، والتي تغلف هذا الانصياع المخزي بغلاف أنيق من ” التحوط المالي والمخاوف الإدارية”، وكأن حماية كراسي الموظفين والهروب من الغضب الأمريكي أصبحت أولوية, تعلو فوق كل منطق وسيادة، لتتحول إدارة أزمة الملاحة الجوية إلى مجرد مهرجان نكات, يستعرض فيه المسؤولون مهاراتهم في الارتعاد والتنفيذ الأعمى لإملاءات واشنطن!
سؤال: هل يتناسب هذا الإجراء مع “سيادة الدولة” على أجوائها ومطاراتها؟
· الرؤية الأولى: ممارسة للسيادة وتحصين للمصالح الوطنية
من الناحية القانونية والدولية، تُمارس الدولة سيادتها عندما تتخذ قرارات تُبعد عن أراضيها ومرافقها الحيوية أي خطار أو عقوبات قد تضر باقتصادها المحلي. إن تنظيم حركة الطيران المدني واختيار الشركات المسموح لها بالهبوط والتزود بالخدمات يدخل في صلب **السيادة التشغيلية**. بناءً على ذلك، تعامل الحكومة مع أزمة العقوبات بحذر يُعتبر حماية لمصالح قطاع الطيران العراقي من الشلل، وهو نوع من “إدارة السيادة بحكمة” لتجنب العزلة الدولية.
· الرؤية الثانية: انحسار الهامش السيادي أمام الضغوط الخارجية
في المقابل، يرى جانب آخر من المحللين أن استجابة بغداد ومطاراتها بوقف الرحلات بناءً على قيود وعقوبات فرضتها طرف ثالث (واشنطن) يُبرز واقع التشابك المعقد وضيق المساحة التي تتخذ فيها الدولة قراراتها المستقلة. وفقاً لهذا الطرح، فإن عدم قدرة الدولة على استمرار تسيير الرحلات مع جارتها بمعزل عن الموقف الأميركي يُعد إشارة على التأثر الكبير بالضغوط الخارجية.
· تداعيات نتائج الإغلاق وإيقاف الرحلات
يترتب على هذا التوقف سلسلة من الآثار المباشرة وغير المباشرة على أكثر من صعيد:
1- الخسائر الاقتصادية لمطار النجف والقطاع السياحي: يُعتبر مطار النجف الدولي الشريان الرئيس للسياحة الدينية في العراق. وهذا الاغلاق بوقف الرحلات مع إيران بـ: خسائر مالية كبرى لإدارة المطار نتيجة تراجع عائدات رسوم الهبوط والخدمات.. وايضا يتسبب في تضرر شريحة واسعة من الفنادق، النقل الداخلي، المطاعم، والأسواق في مدينتي النجف وكربلاء والتي تعتمد بشكل أساسي على الوافدين الزوار.
2- تحول مسارات السفر والضغط على المنافذ البرية: الاغلاق يتسبب في الاضرار بآلاف المسافرين العراقيين والإيرانيين (سواء للزيارة الدينية، العلاج، أو التجارة)، مما دفع الحركة نحو المنافذ البرية (مثل المنذرية، شلامجة، وزرباطية). ينجم عن ذلك ازدحام شديد وضغط على البنية التحتية البرية.
3- إرباك خطوط الطيران الوطنية: تحاول الشركات العراقية كسب الحصة السوقية الناتجة عن توقف الناقلات الإيرانية، إلا أن القيود والمخاوف من استهداف التعاملات والوقوف أمام إشكاليات إلغاء وتعديل الحجوزات يفرض تكاليف وأعباء إضافية.
4- توتّر العلاقات وتأثيرات دبلوماسية: يؤدي هذا القرار إلى احتكاك وسجال في الخطاب السياسي بين بغداد وطهران، حيث تشعر الشركات الإيرانية بالضغط نتيجة تقييد حركة رحلاتها المباشرة إلى إحدى أهم وجهاتها الجوية.
· ختاما:
في المحصلة، إن أزمة غلق مطار النجف أمام الطائرات الإيرانية لا تدع مجالاً للشبهة في طبيعة الارتهان السائد؛ إذ تجلت السيادة المزعومة كمجرد لافتة برّاقة تُرفع في المناسبات وتُنسى عند أول إشارة من وزارة الخزانة الأمريكية.
إن محاولة تسويق الانصياع تحت مسميات “التحوط المالي” و”السيادة التشغيلية” ليست سوى تجميل لهزيمة إرادة الدولة الوطنية وتفريغ قرارها المستقل من محتواه.
ولن تعود لهذه الخيارات هيبتها إلا حين يستعيد القرار الوطني شجاعته واستقلاليته بعيداً عن حسابات الرعب والإملاءات الخارجية، لتظل حماية المصالح العليا للشعب والاستقلال السياسي المعيار الحقيقي والأخير لأي دولة تمتلك أمر أجوائها وقرارها.



إرسال التعليق