المولد وهيبة الدولة

المولد وهيبة الدولة
يوسف السعدي

لم تعد ذكرى المولد النبوي الشريف مناسبةً لاستحضار السيرة النبوية فحسب، بل فرصةً لإعادة قراءة القيم التي حملتها الرسالة، ومدى حضورها في واقعنا المعاصر، فالاحتفاء الحقيقي لا تقاس قيمته بكثرة الكلمات والمظاهر، وإنما بقدرته على تحويل الرحمة والعدل والمسؤولية إلى سلوكٍ ومؤسساتٍ تحمي الإنسان وتصون كرامته.

الرحمة في مفهومها الأوسع ليست عاطفةً مجردة، وإنما مسؤولية تجاه الضعيف، وإنصاف للمظلوم، وحماية للإنسان، والعدل ليس شعارًا يرفع، بل قاعدةً تقوم عليها الدولة، حين يكون القانون فوق المصالح، والمواطنون متساوين أمامه.

هنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن تحويل هذه القيم إلى واقع عراقي؟

الإجابة تبدأ من بناء دولة مؤسسات، يكون فيها القانون المرجعية التي تنظم العلاقة بين المواطن والدولة، وبين مختلف مكونات المجتمع، فالعراق بلد متنوع دينيًا ومذهبيًا وقوميًا، وهذه الخصوصية لا ينبغي أن تتحول إلى مصدر صراع، بل إلى عنصر قوة، متى ما جمعها إطار وطني يحفظ الحقوق ويحدد المسؤوليات.

قدمت صحيفة المدينة نموذجًا تاريخيًا لتنظيم مجتمع متعدد المكونات ضمن إطار يقوم على الحقوق والواجبات والمسؤولية المشتركة، وفي العراق المعاصر، تبدو الحاجة واضحة إلى ترسيخ مفهوم المواطنة، بحيث تبقى الهويات الفرعية مصونة، من دون أن تتحول إلى بديل عن الانتماء الوطني.

من هنا تأتي هيبة الدولة بوصفها نتيجةً طبيعيةً لعدالة القانون وكفاءة المؤسسات، لا مجرد قدرة على فرض القوة فالدولة القوية هي التي تحمي مواطنيها، وتصون حدودها وتطبق القانون بعدالة، وتحاسب المخطئ وفق القضاء، وتمنع الفساد من تحويل مؤسساتها إلى ساحات للمحاصصة والمصالح الخاصة.

في هذا السياق يبقى حصر السلاح بيد الدولة جزءًا أساسيًا من بناء الدولة الحديثة، لأن قرار الحرب والسلم واستخدام القوة المنظمة ينبغي أن يرتبط بالمؤسسات الدستورية والقانونية، غير أن نجاح هذا المسار يحتاج إلى دولةٍ قادرة على حماية الجميع، وتطبيق القانون بعدالة، واحترام تضحيات أبنائها، بما يجعل قوة الدولة مظلةً جامعة لا طرفًا في صراع داخلي.

كذلك لا يمكن فصل هيبة الدولة عن مكافحة الفساد، فالمواطن لا يثق بمؤسسةٍ تعجز عن حماية المال العام أو تساوي بين المستحق والمتجاوز، ومواجهة الفساد تحتاج إلى قانونٍ واضح، ورقابةٍ فعالة وقضاءٍ مستقل، ومحاسبةٍ تستند إلى الدليل بعيدًا عن الانتقائية.

إن قيمة المولد النبوي في قراءته المعاصرة، تكمن في القدرة على الانتقال من الاحتفاء بالقيم إلى ممارستها، فالرحمة تصبح حمايةً للمواطن والعدل يصبح قانونًا والمسؤولية تصبح مؤسسات والتعايش يصبح مواطنةً، وهيبة الدولة تصبح ثقةً متبادلة بين المواطن ومؤسسات بلده.

العراق لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر حاجته إلى دولةٍ يشعر المواطن داخلها أن القانون يحميه، وأن العدالة لا تستثني أحدًا، وأن المال العام أمانة، وأن اختلافه لا ينتقص من مواطنته.

في ذكرى مولد نبي الرحمة، يبقى الاختبار الحقيقي في قدرتنا على بناء دولةٍ تحمي دون ظلم وتحزم دون انتقام وتعدل دون تمييز وتضع مصلحة الوطن فوق المصالح الفئوية والشخصية.

فحين تصبح الرحمة سلوكًا والعدل قانونًا والمسؤولية مؤسسةً عندها فقط يتحول الاحتفاء بالمولد من مناسبةٍ عابرة إلى قيمةٍ حاضرة في حياة المجتمع والدولة.

إرسال التعليق