كل إنسان فانٍ… سقراط إنسان

رشيد مصباح (فوزي)

–

«كل إنسان فانٍ، سقراط إنسان، إذن سقراط فانٍ».

هذه العبارة تردّدت كثيراً على ألسنتنا أيام الثانوية، وكانت أشهر مثال على القياس المنطقي في علم المنطق.

يومها كنا نحفظها ونردّدها باعتبارها مجرّد مثال دراسي، ولم نكن ننتبه إلى أنها تختصر حقيقة كبرى من حقائق الوجود: الإنسان فانٍ.

بالأمس ذهبتُ إلى شركة المياه لتسديد فاتورة، فوجدتني أمام السيّدة نفسها، الموظّفة المحترمة المتحجّبة، التي دأبت على نصحي من غير مقابل، ولا تبخل عليّ بكلمة طيّبة، وكأنها تؤدّي «خدمة ما بعد البيع» بالمجّان.

في المرة السابقة أوصتني بالاعتناء بزوجتي، ولا سيما أننا بلغنا من العمر مرحلة يحتاج فيها كل واحد منا إلى الآخر. عدتُ يومها إلى البيت، وفكّرتُ مليًّا في كلامها، فاكتشفتُ أن ما قالته لم يكن مجرّد نصيحة عابرة، بل موعظة تستحق التأمّل.

أما هذه المرة، فكان حديثها عن قصر الأعمار وفنائها.

ووجدتني مرة أخرى أفكّر في كلام هذه الأخت المحترمة:

«تأكّد يا أخي، أن الدنيا مآلها إلى زوال، وأن أعمارنا فيها قصيرة، مهما بدا لنا غير ذلك.»

وهذه حقيقة لا يستطيع أحد في هذا الوجود إنكارها.

وواصلت كلامها:

«لكن الشيء الذي لا ينتهي فيها، أو لعله يتجدّد بأشكال مختلفة، هو الصراع القائم منذ الأزل بين الخير والشر. والإنسان، في نهاية المطاف، أمام اختيار: أي الطريقين يسلك؟»

كلام فيه كثير من الحكمة؛ فللخير سبيله المعروف؛ السبيل القويم الذي نادى به محمد ﷺ، وجميع الأنبياء من قبله، وسار على نهجه الصالحون من بعده. وللشر أيضًا دعاته ومغرياته، وكم هم كثر في زماننا هذا، زمن الفتن، الظاهرة والباطنة.

ولعلها الفتنة «الدهيماء» التي حذّر منها الرسول الكريم، والتي لا تترك بيتًا إلّـا دخلته.

نحن في عصر الأقمار الصناعية التي ترى ما لا نراه، وعصر الألياف البصرية التي تدخل البيوت حاملة معها الخبر والصورة والفكرة في لحظات، وعصر الذكاء الاصطناعي الذي بدأ يزاحم الإنسان في مجالات كانت إلى وقت قريب حكرًا على العقل البشري.

ونحن، في عالمنا العربي والإسلامي، لا نملك من أدوات المعرفة والإنتاج ما يؤهّلنا لصناعة هذه التحوّلات الكبرى أو التحكّم في اتجاهاتها. نحن نستهلك الكثير، وننتج القليل، ونجد أنفسنا في كثير من الأحيان أمام عالم يتغيّر بسرعة تفوق قدرتنا.

ومع ذلك، فنحن أمة تملك من الخيرات التي أودعها الله في أرضها ما جعلها محط أنظار العالم، وتملك قبل ذلك وبعده دينًا ترى فيه قارب نجاتها، وعصمة أمرها.

لقد عرفت البشرية حضارات عظيمة، وشيّدت مدنًا وقصورًا كثيرة، وبلغت من القوّة ما جعل أصحابها يظنّون أن ما بنوه سيبقى إلى الأبد.

ثم جاء التاريخ.

كم من حضارة ملأت الدنيا صخبًا وضجيجًا، ثم لم يبقَ منها إلا حجر، أو أثر بعد عين؛ نقوش ظاهرة.. وأطلال باهتة، أو صفحات على ظهر كتاب!

إنها سنة الله في الكون: لا شيء من مظاهر الدنيا خالد.

وكل حضارة، مهما بلغت من القوة والتقدّم، تظل جزءًا من التاريخ، والتاريخ لا يمنح أحدًا صكًا كضمان بالخلود.

ولعل التاريخ هو ”الأستاذ الأكبر“ الذي لا يجامل ولا يحابي أحدًا.

لقد جاء الإسلام بدعوته إلى التوحيد والعدل والأخلاق، وحاول خصومه، عبر القرون، محاربته وإضعاف أثره، واستُعملت في ذلك القوّة.. والسيف.. والاحتلال.. والسياسة.. والفكر.

لكن الإسلام بقي.

حاول الصليبيون في مراحل من التاريخ القضاء على مظاهر الحضارة الإسلامية وإضعاف حضورها، ثم جاءت مراحل أخرى من الاستعمار والصراع، وبقي الدِّين واللّغة والقرآن.

ولا تزال العربية لغة الملايين، ولا يزال القرآن يُتلى في البيوت، والمساجد، والمدارس. ولا تزال المآذن تصدح، ولا يزال هذا الدِّين حاضرًا في حياة أتباعه.

لكن علينا، في الوقت نفسه، ألّـا نسمح للعصر بأن يسلبنا هويّتنا، ولا للتكنولوجيا بأن تصبح بديلـًا عن الضمير، ولا للتقدّم الماديّ بأن يقنعنا بأن الإنسان لا يحتاج إلى الله.

فإذا كان الإنسان فانيًا، وإذا كانت الحضارات فانية، وإذا كانت القوّة والتكنولوجيا مآلهما إلى زوال، فما الذي يبقى؟

يبقى الأثر.. ويبقى الإيمان… ويبقى ما زرعه الإنسان من خير في حياة الآخرين.

وهكذا عادت بي كلمات السيّدة المحترمة، الموظّفة في شركة المياه، إلى درس المنطق القديم.

«كل إنسان فانٍ، سقراط إنسان، إذن سقراط فانٍ».

لكنها هذه المرة لم تكن مقدمة لدرس في المنطق.

كانت تذكيرًا لي بأننا جميعًا، مهما اختلفت أعمارنا ومواقعنا وأحلامنا، نسير نحو النهاية نفسها.

فلنأخذ من الدنيا أسبابها، ومن العلم نوره، ومن التكنولوجيا أدواتها، ومن التاريخ عبرته، ولكن لنحافظ على ديننا ما استطعنا.

فهو عصمة أمرنا، وسر نجاتنا، وكنزنا الأهم.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك