هل أوروبا تسرق مواهب أفريقيا؟
هل أوروبا تسرق مواهب أفريقيا؟
كلما حقق منتخب أوروبي إنجازًا، عاد الحديث عن كثرة اللاعبين من أصول أفريقية، وكأن سر التفوق الأوروبي هو مجرد “استيراد” لاعبين من القارة السمراء. والحقيقة أكثر تعقيدًا من هذا الشعار.
لا خلاف على أن فرنسا وإنجلترا وهولندا وبلجيكا تضم عددًا كبيرًا من اللاعبين ذوي الأصول الأفريقية، وهي ظاهرة موثقة في الدراسات الرياضية. لكن السؤال الذي يتجاهله كثيرون هو: كم لاعبًا من هؤلاء وُلد وتعلّم كرة القدم في أفريقيا؟ الجواب: الغالبية الساحقة وُلدت أو نشأت في أوروبا، وتلقت تعليمها الرياضي داخل أكاديمياتها، واستفادت من منظومة احتراف بدأت منذ الطفولة، تضم آلاف المدربين، ومراكز الأداء، والطب الرياضي، وتحليل البيانات، والتغذية، والمتابعة النفسية.
الموهبة وحدها لا تصنع بطلًا. أفريقيا لم تكن يومًا فقيرة في المواهب؛ بل هي من أغنى قارات العالم بها. لكنها تعاني من نقص الاستثمار في الإنسان، وضعف الأكاديميات، وغياب الاستقرار الإداري، وهجرة المدربين، وفساد بعض الاتحادات. بينما تنفق الدول الأوروبية مليارات اليوروهات على تطوير الناشئين، حتى أصبحت صناعة اللاعب مشروعًا اقتصاديًا وعلميًا متكاملًا.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أثر التاريخ. فالاستعمار الأوروبي أسهم في تشكيل موجات الهجرة، ووجود جاليات أفريقية كبيرة في فرنسا وبلجيكا وهولندا وإنجلترا هو أحد نتائج ذلك التاريخ. لكن تحويل كل نجاح أوروبي إلى “سرقة لأفريقيا” يتجاهل حقيقة أن أوروبا هي أيضًا من قامت بتعليم هؤلاء اللاعبين وصقلهم وتحويلهم إلى نجوم عالميين.
والأكثر إثارة أن العلاقة أصبحت في الاتجاهين؛ فهناك عشرات اللاعبين الذين تخرّجوا في الأكاديميات الأوروبية ثم اختاروا تمثيل منتخبات أفريقية، ما رفع مستوى تلك المنتخبات في السنوات الأخيرة. وهذا يثبت أن القضية ليست لون البشرة ولا الأصل العرقي، بل جودة منظومة إعداد اللاعب.
إذا أرادت أفريقيا منافسة أوروبا، فلن يتحقق ذلك بالشعارات ولا باتهام الآخرين بسرقة المواهب، وإنما ببناء مدارس كروية حقيقية، وتأهيل المدربين، ومحاربة الفساد، والاستثمار في الأطفال منذ سن السادسة. فالموهبة هبة من الله، أما البطولة فهي صناعة. ومن يمتلك منظومة الصناعة، يمتلك المستقبل.
د محمد إبراهيم بسيوني



إرسال التعليق