منطق الدولة يتحدى فهرس السلطة

صفاء العطية التميمي

منطق الدولة يتحدى فهرس السلطة…خارج السلسلة

لقاء فائق زيدان وأحمد الشرع… بداية انتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الدولة

لم يكن اللقاء الذي جمع رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي القاضي فائق زيدان بالرئيس السوري أحمد الشرع مجرد لقاء بروتوكولي بين مسؤولين في بلدين جارين، بل جاء في لحظة إقليمية تعاد فيها كتابة خرائط الأمن والسياسة والمصالح. وقد أعلنت الجهات الرسمية أن الزيارة تناولت ملفات قانونية وأمنية مشتركة، من بينها ملف عناصر تنظيم داعش والتعاون القضائي بين البلدين.

لكن القراءة السياسية العميقة لهذا اللقاء تتجاوز الملفات القضائية المباشرة؛ فالدول لا تبنى بالتصريحات، وإنما ببناء الثقة بين المؤسسات، وتحويل المصالح المشتركة إلى قواعد دائمة للاستقرار.

لقد عاش العراق وسوريا سنوات طويلة تحت تأثير ما يمكن تسميته “فهرس السلطة”؛ أي إدارة العلاقات وفق الحسابات الضيقة، والصراعات المؤقتة، وردود الأفعال، والانقسامات السياسية. أما اليوم، فإن المنطقة تبدو أمام فرصة مختلفة، عنوانها منطق الدولة؛ حيث تصبح المؤسسات هي التي تدير الملفات، ويصبح القانون هو الإطار الذي يحكم العلاقات، لا الانفعالات السياسية ولا إرث الخلافات.

إن مكافحة الإرهاب، وضبط الحدود، وتبادل المطلوبين، وحماية الأمن الإقليمي، وإعادة تنظيم العلاقات الاقتصادية، كلها ملفات لا يمكن أن تُدار بمنطق السلطة، وإنما بمنطق الدولة التي تدرك أن أمن بغداد يبدأ من استقرار دمشق، كما أن استقرار دمشق يتأثر باستقرار بغداد.

ولذلك فإن هذا اللقاء يمكن النظر إليه بوصفه خطوة أولى في تفكيك فهرس السلطة القديم، واستبداله بمنهج جديد يقوم على المصالح المتبادلة، واحترام السيادة، والتعاون المؤسسي، بعيدًا عن الاصطفافات التي أرهقت المنطقة لعقود.

إن الدولة القوية لا تبحث عن الانتصار على الآخرين، بل تبحث عن بناء شراكات تحقق الأمن والتنمية للجميع. والسياسة الناجحة ليست تلك التي تكثر فيها الخصومات، وإنما التي تقلل من أسباب الصراع وتوسع مساحات التعاون.

وربما تكون الرسالة الأهم من هذا اللقاء أن العراق بدأ يتعامل مع محيطه الإقليمي من موقع الدولة التي تريد صناعة الاستقرار، لا استهلاك الأزمات. وهذا هو الفارق الحقيقي بين منطق الدولة وفهرس السلطة؛ فالأول يبني المستقبل، بينما يبقى الثاني أسير الماضي.

إن بناء الدولة العراقية الحديثة لن يتحقق بالشعارات وحدها، بل بإعادة ترتيب الأولويات، وجعل المصلحة الوطنية هي المعيار الأعلى في الداخل والخارج. وعندما تصبح المؤسسات هي صاحبة القرار، فإن السياسة تتحول من صراع على السلطة إلى مشروع لبناء الوطن.

وهنا تبدأ المرحلة التي ينتظرها العراقيون منذ سنوات: مرحلة تنتصر فيها الدولة على السلطة، والمؤسسة على الشخص، والمصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة.

إرسال التعليق