سيمائية الخطاب الدبلوماسي الإسرائيلي منذ التأسيس وحتى اليوم

محمد عبد الكريم يوسف

الملخص
يتناول هذا البحث تطور الخطاب الدبلوماسي الإسرائيلي من منظور سيميائي، منذ إعلان قيام الدولة في 1948 وحتى العصر الراهن،
مستعرضًا التحولات في نظام العلامات والرموز التي وظَّفها الخطاب الرسمي الإسرائيلي في سياقات دبلوماسية مختلفة. يستند البحث إلى
مراجعة منهجية للأدبيات الأكاديمية في تحليل الخطاب النقدي، والسيميائيات، ودراسات الدبلوماسية الرقمية. توصل البحث إلى أن الخطاب
الدبلوماسي الإسرائيلي بني منذ نشأته على ثنائيات متضادة (نحن/الآخر، المقدس/الدنيوي، الضحية/المعتدي، الحضارة/الهمجية) استُمدت من
الموروث الديني والأسطوري الصهيوني، وأن هذه الثنائيات تطورت عبر مراحل تاريخية متمايزة: مرحلة التأسيس التي ركزت على التماس
الشرعية الدولية عبر استعارة خطاب “يد السلام”، ومرحلة ما بعد 1967 التي شهدت توظيفًا مكثفًا للخطاب الأمني والاستثنائية، ومرحلة ما
بعد أوسلو التي تميزت بـ”إبعاد السلام” لغويًا، وصولًا إلى العصر الرقمي حيث تحول الخطاب إلى فضاءات افتراضية تستخدم وسائط
متعددة ورموزًا بصرية معقدة. كما أظهر البحث أن الخطاب الإسرائيلي اعتمد على استراتيجيات سيميائية متكررة: إضفاء الشرعية الذاتية
عبر استحضار المحرقة و”الشعب المختار”، وإضفاء اللا شرعية على الآخر عبر تصويره كتهديد وجودي، وإنتاج معانٍ متعددة للرموز
الوطنية والدينية، والتوظيف الانتقائي للموروث الثقافي العربي والإسلامي في المخاطبة بالعربية.

  1. مقدمة
    يمثل الخطاب الدبلوماسي أحد أهم الأدوات التي تستخدمها الدول لبناء صورتها الدولية، وإضفاء الشرعية على سياساتها، والتأثير في الرأي
    العام العالمي. وفي حالة إسرائيل – الدولة التي قامت في سياق صراع عربي-إسرائيلي مستمر، والتي تواجه منذ تأسيسها تحديات شرعية
    متجددة – يكتسب تحليل الخطاب الدبلوماسي أهمية خاصة. فمنذ إعلان قيام الدولة في 14 مايو 1948، كان الخطاب الرسمي الإسرائيلي
    أداة محورية في صياغة الهوية الوطنية، وتقديم رواية معينة للتاريخ، وتبرير السياسات في المحافل الدولية.
    تشير الأدبيات الأكاديمية إلى أن الخطاب الدبلوماسي الإسرائيلي يتسم بسمات خاصة تميزه عن غيره من الخطابات الوطنية. فقد بني على
    ثنائيات متضادة تعكس رؤية إسرائيلية للعالم تقوم على التميز والاستثناء، وتوظف الموروث الديني والأسطوري في صياغة السياسة
    الخارجية. وقد تطور هذا الخطاب عبر العقود، متأثرًا بالتحولات السياسية والأمنية، وبالتغيرات في وسائل الاتصال، وبالتحولات في
    الخطاب العالمي.
    يهدف هذا البحث إلى استكشاف سيمائية الخطاب الدبلوماسي الإسرائيلي منذ التأسيس وحتى اليوم، من خلال مراجعة الأدبيات الأكاديمية
    المتاحة. وسيتناول البحث أربعة محاور رئيسية: (1) الإطار النظري لتحليل الخطاب الدبلوماسي الإسرائيلي، (2) الخطاب التأسيسي:
    1948-1967، (3) تحولات الخطاب بعد حرب 1967 وحتى أوسلو، (4) الخطاب في العصر الرقمي: الدبلوماسية الرقمية والفضاء
    الافتراضي.
  2. الإطار النظري: سيمائية الخطاب الدبلوماسي

2.1 مفهوم السيميائيات في تحليل الخطاب السياسي

تعني السيميائيات – بوصفها علم العلامات – دراسة كيفية إنتاج المعنى عبر أنظمة العلامات المختلفة (اللغوية والبصرية والرمزية). وفي
سياق الخطاب الدبلوماسي، تتيح السيميائيات فهم كيفية بناء الدول لمعاني معينة حول هويتها، وأهدافها، وخصومها، عبر اختيار واستخدام
رموز ولغات وصور محددة.
وقد طُبقت المناهج السيميائية في تحليل الخطاب الإسرائيلي بأشكال متعددة. فقد استخدمت بعض الدراسات منهج رولان بارت في تحليل
“الأكواد الخمسة للسرد” – الكود التأويلي، والكود الفعلي، والكود الدلالي، والكود الرمزي، والكود الثقافي – لكشف الرسائل التي تنقلها
العلامات في الخطاب الدبلوماسي الإسرائيلي. كما استخدمت دراسات أخرى منهج فرديناند دو سوسير في تحليل الدوال والمدلولات في
التمثيلات البصرية للشخصيات السياسية الإسرائيلية.

2.2 تحليل الخطاب النقدي كأداة منهجية
إلى جانب المنهج السيميائي، اعتمدت العديد من الدراسات على تحليل الخطاب النقدي (CDA) بوصفه إطارًا لفهم العلاقة بين اللغة والسلطة
والأيديولوجيا في الخطاب الإسرائيلي. وقد طُبقت نماذج متعددة، أبرزها:
 نموذج فيركلوف الثلاثي الأبعاد: الذي يحلل النص على مستويات الوصف والتفسير والشرح، وقد طُبق في تحليل خطابات نتنياهو
في الأمم المتحدة.
 المنهج المعرفي-الاجتماعي لفان دايك: الذي يركز على استراتيجيات التمثيل الذاتي الإيجابي والتمثيل السلبي للآخر.
 نظريات الإقناع والبلاغة: مثل نظرية شاردو السيميائية-اللغوية، ونظرية بيرلمان وأولبريخت-تيتكا في الحجاج.

2.3 الخصائص البنيوية للخطاب الدبلوماسي الإسرائيلي
تشير الأدبيات إلى أن الخطاب الدبلوماسي الإسرائيلي يتسم بعدة خصائص بنيوية أساسية:
أولاً: الثنائيات المتضادة (Binary Oppositions) . يعتمد الخطاب الإسرائيلي على بناء ثنائيات قطبية مثل: نحن/هم، مقدس/مدنس،
ضحية/معتدٍ، حضارة/همجية، ديمقراطية/إرهاب. وهذه الثنائيات ليست مجرد أدوات وصفية، بل هي آليات لإضفاء الشرعية على الذات
ونزع الشرعية عن الآخر.
ثانياً: الاستثنائية الإسرائيلية. يصور الخطاب الإسرائيلي الدولة على أنها “استثنائية” تواجه تحديات استثنائية، مما يبرر تبني سياسات لا
تُطبق في سياقات أخرى. وقد وُصفت هذه الظاهرة بأنها بناء هوية جماعية تقوم على “الاستثنائية وعقلية الحصار”.
ثالثاً: الخطاب الأسطوري. يتسم الخطاب الإسرائيلي بطابع أسطوري يعيد إنتاج فئات خطابية مثل: إضفاء الشرعية على الذات ونزع
الشرعية عن الآخر، وأسلمة الرموز وفقدانها لتعددية المعاني، ومفهوم “الشعب المختار”، ومفاهيم الأرض الوطنية المقدسة، والتمركز حول
الماضي، والنظرة القدرية.
رابعاً: لغة “الحصباه” (Hasbara) . يشير مفهوم “الحصباه” – المصطلح العبري للدعاية أو التواصل الاستراتيجي للدولة – إلى
استراتيجية إسرائيلية منظمة لإنتاج ونشر رواية معينة عن الصراع. وقد تطور هذا المفهوم ليشمل استراتيجيات رقمية متطورة.

  1. الخطاب التأسيسي: 1948-1967

3.1 إعلان الاستقلال: ولادة النموذج الخطابي
يمثل “إعلان قيام دولة إسرائيل” (14 مايو 1948) النص التأسيسي للخطاب الدبلوماسي الإسرائيلي. وقد احتوى هذا الإعلان على ما يمكن
اعتباره النموذج الأصلي للخطاب الإسرائيلي، الذي سيتكرر ويتطور عبر العقود.
أحد أبرز عناصر هذا الإعلان هو العبارة: “نمد أيدينا بالسلام” (We extend our hand in peace). وقد أصبحت هذه العبارة –
التي تكررت في خطابات القادة الإسرائيليين لعقود – استعارة أسطورية جوهرية في الخطاب الإسرائيلي. غير أن التحليل السيميائي لهذه
الاستعارة يكشف عن تعقيداتها الدلالية: فهي تعبر، في آن واحد، عن الرغبة الصادقة في السلام، وعن التفوق الأخلاقي، ومشاعر الحرمان،
والتهديد الكامن، والاعتراف بفعالية هذه الاستعارة في خلق صورة إيجابية في الخارج.

وتشير دراسة إلى أن هذه الاستعارة تحمل أربعة عوائق أمام استمرار فعالية عملية السلام: صور الخصم العربي، وصورة إسرائيل الذاتية،
والعلاقات بين الخصوم، واستعداد الخصوم لتحقيق السلام.

3.2 بناء هوية “الضحية” و”الناجية”
منذ التأسيس، اعتمد الخطاب الدبلوماسي الإسرائيلي على استحضار المحرقة كأساس لبناء الهوية الوطنية وإضفاء الشرعية على وجود
الدولة. تشير دراسة حديثة إلى أن إسرائيل – منذ تأسيسها – تشكلت بذاكرة جماعية تمركزت حول المحرقة، والتي تظل جزءًا لا يتجزأ من
هويتها الوطنية وخطابها السياسي.
وقد أنتج هذا الاستحضار خطابًا يقوم على ثنائية “الضحية/المعتدي”: حيث تُصوَّر إسرائيل على أنها الضحية التي تتعرض للتهديد الوجودي،
بينما يُصوَّر الخصم على أنه المعتدي الذي يسعى إلى إبادتها. وقد وُصفت هذه الظاهرة بأنها “خطاب قائم على الأسطورة” يُشكِّل ذهنية القادة
الإسرائيليين من خلال إعادة إنتاج فئات خطابية أسطورية.

3.3 الخطاب الدبلوماسي في الخمسينيات والستينيات
في هذه المرحلة، ركز الخطاب الدبلوماسي الإسرائيلي على هدفين رئيسيين: الحصول على الاعتراف الدولي، وتأمين الدعم الغربي
(وخاصة الأمريكي). وقد اتسم الخطاب في هذه الفترة بالنزعة العملية، مع استمرار توظيف الإطار الأسطوري والديني. تشير دراسة إلى أنه
منذ قيام الدولة، بدأت إسرائيل في تنفيذ “التجويف الدلالي” للمفاهيم الأساسية للصراع، مما أدى إلى إنتاج خطاب يسهم في “إبعاد السلام”.

  1. تحولات الخطاب: من حرب 1967 إلى أوسلو

4.1 ما بعد حرب الأيام الستة: صعود خطاب “الأمن” و”الاستثنائية”
شكلت حرب 1967 نقطة تحول كبرى في الخطاب الدبلوماسي الإسرائيلي. فمع الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة والجولان
وسيناء، دخل الخطاب مرحلة جديدة تميزت بـ:
أولاً: تعزيز خطاب الاستثنائية. صُوِّرت إسرائيل على أنها دولة تواجه تهديدات وجودية تتطلب حلولاً أمنية استثنائية. وقد أدى هذا إلى تحول
في الخطاب من التركيز على “البقاء” إلى التركيز على “الأمن” و”التوسع”.
ثانياً: ظهور خطاب “ديفيد وجالوت”. استُخدمت استعارة “ديفيد وجالوت” لتصوير إسرائيل على أنها الضعيفة (ديفيد) التي تواجه جيوش
العرب (جالوت)، على الرغم من التفوق العسكري الإسرائيلي الفعلي بعد 1967. وقد أدى هذا الانقلاب الاستعاري – كما تشير إحدى
الدراسات – إلى بناء خطاب “الصراع الثنائي” الذي يتجاهل السياق الاستعماري-الاستيطاني للصراع.
ثالثاً: إعادة إحياء الخطاب الديني-الأرضي. أدى استرجاع الأراضي المقدسة خلال حرب 1967 إلى عودة الإطار الديني الصهيوني إلى
الواجهة، حيث تزاحمت الأطر الدينية مع الأطر العلمانية في الخطاب الرسمي.

4.2 خطاب “السلام” في مرحلة أوسلو
شكلت اتفاقيات أوسلو (1993-1995) تحولاً خطابيًا آخر. فبينما كان الخطاب الرسمي يتضمن لغة السلام والمصالحة، تشير الدراسات إلى
أن هذا الخطاب كان يحمل في طياته استمرارًا لاستراتيجيات “إبعاد السلام”. وقد وُصفت هذه الظاهرة بأنها “مجموعة من الأدوات اللغوية
والخطابية والثقافية التي تهدف إلى خلق الشك حول المعنى الإيجابي المرتبط بمفهوم السلام”.
وتشير دراسة حول “الخطاب الإسرائيلي للسلام” إلى الحاجة إلى تغيير في هذا الخطاب من أجل تعزيز “ثقافة السلام”. وقد حللت الدراسة
فترات تاريخية مختلفة منذ بداية القرن العشرين وحتى اليوم، وكشفت عن ديناميكيات “اللغة الأورويلية الجديدة” (Orwellian
Newspeak) في الخطاب الإسرائيلي.

  1. الخطاب في العصر الرقمي: الدبلوماسية الرقمية والفضاء الافتراضي

5.1 تحول الوسائط: من الخطاب التقليدي إلى الدبلوماسية الرقمية
شهد العقدان الأخيران تحولاً جذريًا في الخطاب الدبلوماسي الإسرائيلي، مع انتقاله إلى الفضاءات الرقمية. فقد أصبحت الدبلوماسية الرقمية –
وخاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي – أداة محورية في استراتيجية “القوة الناعمة” الإسرائيلية.
وتشير دراسة إلى أن وزارة الخارجية الإسرائيلية صاغت 14 إطارًا لغويًا استُخدمت لإضفاء الشرعية على سياسات إسرائيل، وأن الصور
استُخدمت لدعم هذه الأطر وجعلها تتناغم مع السرديات الاستراتيجية الإسرائيلية.

5.2 السيميائيات البصرية في الدبلوماسية الرقمية
مع انتقال الخطاب إلى الفضاء الرقمي، أصبحت العناصر البصرية – وليس النص فقط – جزءًا أساسيًا من النظام السيميائي الدبلوماسي. وقد
حللت دراسات متعددة هذه الظاهرة:
أولاً: تحليل التغريدات المصورة. في دراسة لتغريدات وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق يسرائيل كاتس على منصة X (تويتر سابقًا) والتي
استهدفت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اعتُبرت التغريدات “سرديات” وخضعت لتحليل سيميائي استنادًا إلى “الأكواد الخمسة
للسرد” لرولان بارت. وكشفت الدراسة أن كاتس استخدم الأكواد التأويلية والفعّالة والدلالية والرمزية والثقافية في منشوراته المصورة لنقد
أردوغان.
ثانياً: الدعائم البصرية في الخطابات السياسية. حللت دراسة استخدام الدعائم (props) كحجج بصرية في ثلاث خطابات لنتنياهو: “خطاب
القنبلة”، و”خطاب حطام الطائرة المسيّرة”، و”خطاب الملف”. وتُظهر هذه الدراسة كيف تتحول الأشياء المادية إلى علامات تحمل دلالات
سياسية معقدة.
ثالثاً: التصوير الإطاري للحرب. حللت دراسة التغطية البصرية لوزارة الخارجية الإسرائيلية على تويتر خلال حرب غزة 2014، وكشفت
عن استخدام الصور لدعم الأطر اللغوية وجعلها تتناغم مع السرديات الاستراتيجية الإسرائيلية.

5.3 الدبلوماسية بالعربية: سيميائية التوظيف الثقافي
من أبرز تطورات الدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية ظهور منصات إسرائيلية تخاطب الجمهور العربي باللغة العربية، مثل “إسرائيل تتحدث
بالعربية” (Israel Speaks Arabic). وقد أصبحت هذه المنصات أداة مركزية في استراتيجية القوة الناعمة الإسرائيلية.
وتشير دراسة إلى أن هذه الحملات تعتمد على:
 التوظيف الانتقائي للخطاب الديني الإسلامي، بما في ذلك استخدام آيات قرآنية في رسائل الجيش الإسرائيلي الموجهة للجمهور
العربي.
 إعادة السياق والوساطة التناصية للآيات القرآنية والأحاديث النبوية، من خلال تقنين السيميائيات الاجتماعية-الثقافية للأيقونات
اليهودية-الإسلامية.
 بناء هوية “إبراهيمية” مشتركة، في محاولة لتجاوز الثنائية العربية-الإسرائيلية عبر استدعاء هوية دينية-ثقافية أوسع.

5.4 خطاب نتنياهو في العصر الرقمي: نموذج معاصر
شكلت خطابات بنيامين نتنياهو في المحافل الدولية – وخاصة في الأمم المتحدة – نموذجًا معاصرًا للخطاب الدبلوماسي الإسرائيلي. وقد حللت
دراسات متعددة هذه الخطابات، وكشفت عن استراتيجيات خطابية متطورة:
أولاً: بناء الهوية الجماعية. يستخدم نتنياهو استراتيجية بناء هوية جماعية مشتركة من خلال الضمائر مثل “نحن” و”لنا” و”نحن/أنتم”،
وعبارات مثل “أعداؤنا هم أعداؤكم” و”إسرائيل تخوض معركتكم”. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى طمس الفروقات الجيوسياسية ووضع
إسرائيل كممثل طبيعي للقيم الديمقراطية والأخلاقية العالمية.

ثانياً: إضفاء الشرعية ونزعها. يركز الخطاب على إضفاء الشرعية على الذات وتصوير إسرائيل على أنها “درع الغرب”,ونزع الشرعية
عن الخصوم عبر تصويرهم على أنهم “محور الشر”. وقد حللت دراسة خطابه في الأمم المتحدة 2024 وكشفت عن استخدامه للثنائيات
المتضادة (الحضارة/الهمجية) كأداة مركزية لإضفاء الشرعية على الإجراءات الإسرائيلية وتهميش المنظورات الفلسطينية.
ثالثاً: استراتيجيات الإقناع المتعددة. توظف خطابات نتنياهو مزيجًا من تقنيات التنظيم الخطابي للتأثير في الجماهير وجذب انتباههم
وإشراكهم في الحجاج. وتشمل هذه التقنيات: التكرار، والاستعارة، واستخدام الضمائر، والجمل الفعلية والمبنيّة للمجهول.

  1. مناقشة: نحو قراءة سيميائية شاملة للخطاب الدبلوماسي الإسرائيلي
    يمكن استخلاص عدة استنتاجات رئيسية من هذه المراجعة:
    أولاً: استمرارية البنى السيميائية الأساسية. على الرغم من التحولات السياسية والتكنولوجية، يظل الخطاب الدبلوماسي الإسرائيلي قائمًا
    على بنى سيميائية ثابتة: ثنائيات متضادة، واستثنائية، وخطاب أسطوري، ولغة أمنية. وقد نجحت هذه البنى في الاستمرار عبر تغيير وسائط
    التعبير – من الخطب الرسمية إلى التغريدات والصور – دون تغيير جوهري في نظام العلامات.
    ثانياً: تطور نظام العلامات عبر الوسائط. شهد نظام العلامات في الخطاب الدبلوماسي الإسرائيلي تطورًا من الاعتماد شبه الكامل على
    العلامات اللغوية (الخطب والنصوص الرسمية) إلى نظام سيميائي متعدد الوسائط يشمل الصور، والرسوم المتحركة، والدعائم البصرية،
    والتوظيف الانتقائي للنصوص الدينية. وهذا التطور يعكس تحولًا أوسع في طبيعة الدبلوماسية المعاصرة.
    ثالثاً: المفارقة السيميائية في خطاب السلام. يكشف تحليل خطاب “مد اليد بالسلام” عن مفارقة سيميائية عميقة: فبينما تعبر العلامات عن
    الرغبة في السلام، تحمل في طياتها رسائل مضادة تتمثل في التفوق الأخلاقي، والتهديد الكامن، وإبعاد السلام. وهذه المفارقة ليست عَرَضًا،
    بل هي سمة بنيوية للخطاب الإسرائيلي تعكس توترًا بين البعد الأيديولوجي والبعد الدبلوماسي.
    رابعاً: التحديات التي يواجهها الخطاب. تشير الأدبيات إلى أن الخطاب الدبلوماسي الإسرائيلي يواجه تحديات متزايدة، أبرزها: تنامي
    الأصوات الناقدة في الفضاء الرقمي، وزيادة الوعي العالمي بالروايات الفلسطينية، وتآكل مصداقية الخطاب الأمني التقليدي في ظل
    التحولات في الخطاب العالمي حول حقوق الإنسان والعدالة.
  2. الخاتمة
    يُظهر هذا البحث أن سيمائية الخطاب الدبلوماسي الإسرائيلي تمثل مجالًا غنيًا ومعقدًا للدراسة، يعكس تداخل الأبعاد التاريخية والسياسية
    والدينية والتكنولوجية في تشكيل نظام العلامات الدبلوماسي. فمنذ إعلان قيام الدولة في 1948، بني الخطاب الإسرائيلي على مجموعة من
    الثنائيات المتضادة والاستعارات الأسطورية التي أعادت إنتاج نفسها عبر العقود، مع تكيف مستمر مع التحولات في الوسائط والجماهير
    المستهدفة.
    وتشير المراجعة إلى أن الخطاب الدبلوماسي الإسرائيلي مر بثلاث مراحل رئيسية: مرحلة التأسيس (1948-1967) التي ركزت على
    التماس الشرعية الدولية عبر استعارة “يد السلام”، ومرحلة ما بعد 1967 التي شهدت صعود خطاب الأمن والاستثنائية، ومرحلة العصر
    الرقمي التي تميزت بتنوع الوسائط وظهور استراتيجيات دبلوماسية رقمية متطورة تخاطب جماهير جديدة باللغة العربية وبوسائط بصرية
    معقدة.
    وتوصي هذه المراجعة بإجراء المزيد من الدراسات السيميائية الطولية التي تتعقب تطور نظام العلامات في الخطاب الدبلوماسي الإسرائيلي
    بشكل منهجي، مع التركيز على التحولات في استراتيجيات الخطاب الموجه للجماهير العربية، وعلى التفاعل بين الخطاب الرسمي
    والخطابات المضادة في الفضاء الرقمي. كما توصي بتوسيع الأطر المنهجية لتشمل تحليلات متعددة التخصصات تجمع بين السيميائيات،
    وتحليل الخطاب النقدي، ودراسات الإعلام الرقمي، من أجل فهم أكثر شمولاً لكيفية إنتاج المعنى في الخطاب الدبلوماسي المعاصر.

قائمة المراجع

  1. Gavriely-Nuri, D. (2010). If both opponents “extend hands in peace” — Why don’t they
    meet?: Mythic metaphors and cultural codes in the Israeli peace discourse. Journal of
    Language and Politics, 9(3), 449-468. 
  2. Mythical Thought and the Constitution of Israeli Foreign Policy. Journal of World
    Sociopolitical Studies, 9(2), Spring 2025. 
  3. Social Media, Digital Diplomacy and Diplomatic Crisis: The Case of Yisrael Katz’s X
    Shares. Turkish Review of Communication Studies, 47, 2025. 
  4. Kiều, T. T. H., & Trần, N. H. (2025). Shaping Perceptions of Conflict: A Critical Discourse
    Analysis of Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu’s Speech at the 2024 United Nations
    General Assembly. Journal of Critical Discourse Analysis. 
  5. Takas, E. (2025). ‘We are the shield of the West’: image restoration, social representations,
    and identity entrepreneurship in Benjamin Netanyahu’s UN speech. Communication
    Research & Practice, 11(2), 251. 
  6. al-Samiri, I. M., et al. (2024). Legitimization under extreme scrutiny: a critical discourse
    analysis of Netanyahu’s 2024 UN general assembly speech. Al-Mubadara, (4), 1-20. 
  7. By leaving before the speech begins, the delegations symbolically reject several ideological
    representations that Netanyahu seeks to advance. Lexicon Journal, UGM. 
  8. Israeli Peace Discourse: A Cultural Approach to CDA. (2015). De Gruyter Brill. 
  9. Zionist hegemony, the settler colonial conquest of Palestine and the problem with conflict: a
    critical genealogy of the notion of binary conflict. Taylor & Francis, 2018. 
  10. Israeli Identities and the Politics of Threat: A Constructivist Interpretation. (2012). Stanford
    University. 
  11. Framing the Zionist Movement: The Effects of Zionist Discourse on the Arab-Israeli Peace
    Process. DTIC ADA521547, 2005. 
  12. Chapter 4: Visual Framing and Semiotic Analysis of Israel’s Digital Diplomacy. In: Israel’s
    Digital Diplomacy. 
  13. Props as visual arguments in the political speeches of Binyamin Netanyahu. Social
    Semiotics. 
  14. How and why the Israeli army spokesperson leans on Islamic religious expressions when
    addressing Arab audiences. Media, War & Conflict, 2025. 
  15. Israeli Digital Diplomacy Toward Arab Peoples: Strategic Narratives and Regional
    Perceptions.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك