تفجير كوليفيرو في ايطاليا.. و الحرب الهجينة

د. محسن عقيلان

لم يكن الانفجار الهائل الذي هزّ منشأة “KNDS” العسكرية في بلدة كوليفيرو جنوب روما مجرد حادث صناعي عادي في قسم مكابس البارود حتى وإن أصرت التحقيقات الأولية على حصر الأسباب في ثغرات السلامة الفنية

في الجغرافيا السياسية الراهنة لا توجد “مصادفات بريئة”

إن هذا التفجير الذي استهدف أحد الشرايين المغذية للخطة الأوروبية لزيادة إنتاج الذخائر والصواريخ الموجهة لأوكرانيا يمثل حلقة جديدة في سلسلة ممتدة من الحرب الهجينة حيث تتحول مصانع السلاح وممرات الإمداد إلى جبهات قتال خلفية لا تتبنى فيها الأطراف عملياتها علناً بل تكتفي بترك “أصابع اتهام”

“أشباح الاستخبارات”

إذا قمنا بوصل النقاط على الخريطة الأوروبية سنكتشف أن انفجار كوليفيرو يتطابق هندسياً مع استراتيجية “الحرب الهجينة” التي تنسبها العواصم الغربية للوحدة 29155 التابعة للاستخبارات العسكرية الروسية “GRU”

سواء محاولات تفجير طائرات الشحن في لايبزيغ بألمانيا عبر متفجرات مموهة في علب الأغذية إلى الحرائق الغامضة في مصانع شركة “Diehl” للدفاع الجوي في برلين وتفجير مستودعات الذخيرة في التشيك وبلغاريا تبدو الرسالة الروسية واضحة: “إذا استمر تدفق السلاح نحو الجبهة الأوكرانية فإن مصانعكم ومخازنكم في قلب أوروبا لن تكون آمنة”

هذه العمليات تعتمد على أسلوب “الإنكار الصريح” مستغلةً وكلاء محليين وعمالة مؤقتة هجمات سيبرانية لتنفيذ أعمال تخريبية . هي لا تمنع التدخل لحلف الناتو لكنها تنجح في إبطاء ماكينة الدعم العسكري لكييف

تفكيك لغز تفجيرات دمياط والزاوية

هذا المسلسل التخريبي لا يتوقف عند حدود القارة العجوز بل تمتد جنوباً نحو حوض البحر الأبيض المتوسط الشريان اللوجستي والطاقي الأهم لأوروبا

وإذا نظرنا إلى الأحداث الغامضة التي طالت منشآت حيوية في شمال إفريقيا نجد أننا أمام مسارين تحليليين بالغي الخطورة:

اولا . لغز تفجير دمياط بين “امتداد المحور الروسي-الإيراني” و”لعبة العلم الزائف”:

تأخذ أحداث منشأة إسالة الغاز في دمياط بعدين استراتيجيين الأول يرجح وجود أصابع إيرانية أو عبر أحد حلفائها الإقليميين كجزء من التنسيق الهجين المشترك مع روسيا لضرب إمدادات الطاقة المتوجهة إلى أوروبا لإغراقها في الشلل تزامناً مع استهداف مصانع سلاحها

أما البعد الثاني والأكثر تعقيداً فيتمثل في فرضية “عملية العلم الزائف” “False Flag” التي قد تقف وراءها إسرائيل أو حتى أوكرانيا بهدف صناعة حدث أمني ضخم يحمل بصمات إيرانية واضحة وبالتالي جرّ الدولة المصرية إلى مربع ترفضه و تتجنبه لحرصها على توازناتها الإقليمية

ثانياً: منشأة الزاوية في ليبيا.. ما وراء الصراع الداخلي:

رغم أن المشهد الليبي يبدو في ظاهره صراع داخلي ببن الميليشيات المتنازعة إلا أن تكرار استهداف منشآت النفط والغاز الحيوية في “الزاوية” بواسطة طائرات مسيرة مجهولة يخرج عن سياق التنافس المحلي المعتاد

إن ضرب هذه المنشآت بالمسيرات يهدف بشكل مباشر إلى تجفيف وتقليص تدفقات الطاقة المتجهة عبر المتوسط إلى المصانع الأوروبية وتحديداً الإيطالية والتي تستهلك طاقة كبيرة لتشغيل خطوط إنتاج السلاح والذخيرة الموجهة لأوكرانيا

إنها عملية خنق غير مباشرة لماكينة الدفاع الأوروبية عبر قطع وقودها من المصدر الليبي

التحالف الجيوسياسي.. تقاطع مصالح موسكو وطهران.

هنا يلتقي المشهد الأوروبي بالشرق الأوسط حيث يتجسد الرابط العضوي بين حرب أوكرانيا والحرب الايرانية

تعيش موسكو وطهران حالة تعاون غير مسبوقة فإيران تمد روسيا بالطائرات المسيرة و الصواريخ الباليستية لضرب العمق الأوكراني وفي المقابل تستفيد طهران من الدعم العسكري الروسي حيث تسخر روسيا اقمارها العسكرية في تحديد اهداف حساسة امريكية و تزودها بشبكة ملاحة خاصة بعيدة عن التشويش لتوجيه صواريخها المتوسطة و بعيدة المدى

نجد ان هناك تكامل في التعاون على التخريب سواء في منشآت الذخيرة الأوروبية مثل كوليفيرو او خنق الملاحة وصناعة الفوضى في البحر الأحمر والمتوسط

الى استنزاف مخزونات الدفاع الجوي الغربية في أوكرانيا لاضعاف قدرة الغرب على إمداد حلفائه في الشرق الأوسط ضد إيران وحلفائها والعكس صحيح

إنها لعبة أواني مستطرقة عسكرية كل شحنة طاقة تُعطل في دمياط أو الزاوية وكل قذيفة تُدمر في إيطاليا هي أوراق ضغط تستخدم في ساحة الصراع المستهدف

الخاتمة:

خلاصة القول إن انفجار مصنع كوليفيرو في إيطاليا وتفجيرات منشآت المتوسط في دمياط والزاوية ليست أحداثاً محلية معزولة بل هي “أعراض موضعية” لمرض عالمي واحد: انتقال الصراع الدولي من الحروب النظامية المباشرة إلى عولمة التخريب

لم يعد هناك فواصل بين أمن شرق أوروبا وأمن حوض المتوسط والشرق الأوسط

إننا أمام جبهة ممتدة تبدأ من العمليات الغامضة في اوروبا وصولا لمخازن البارود الإيطالية إلى آبار النفط الليبية ومحطات الإسالة المصرية و ضرب مشاريع الخليج الحيوية و تخريب طائرة سوخوي ٥٧ الروسية و الانفجارات اامجهولة و الحراىق الايرانية كلها تُدار بعقول تخريبية عبر استراتيجية “الموت بألف جرح صغير” لكن روسيا تدفع الثمن مضاعف من خلال دعم اوكرانيا و تجرؤها بدعم غربي على ضرب منشأت الطاقة و مصافي النفط و التكرير الاستراتيجية و ضرب العاصمة موسكو و مواقع ابعد من موسكو بالاف الكيلو مترات من خلال نفس الاسلوب تزويد اوكرانيا بصور الاقمار الاصطناعية للمواقع الحساسة و الاستراتيجية لضرب عصب الدولة الروسية و تطبيق نفس نظرية الموت بالف جرح صغير لكن اضف الى ذلك دعم الغرب و امريكا للمنظمة السرية الروسيةBlack Spark الشرارة السوداء المعارضة للحرب على اوكرانيا و استغلالها في تنفيذ العمليات التخريبية الدقيقة داخل المواقع الحساسة العسكرية الروسية

اذن سنمع الايام القادمة حوادث كثيرة في الشرق الاوسط او اوروبا او روسيا تسجل تحت بند حادث عرضي و التحقيقات الامنية جارية و الدول تعرف من ورائها لكنها استكمال لسلسلة احداث الحرب الهجينة و عولمة التخريب

الكاتب / باحث في العلاقات الدولية

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك