إلى أين تسير الأمور في قطاع غزة وأين المنظمة والسلطة مما يجري ؟

إبراهيم ابراش

دون مكابرة او معاندة فسكان القطاع يقبلون أي تسوية لوقف الحرب أو لإطلاق
النار ولكنهم يريدون مصارحتهم بحقيقة ما يجري بالحوارات في مصر ومن هي
الجهة التي ستدير القطاع ؟ .

آثرنا التمهل في الكتابة حول ما سُمِّي (اتفاقاً) في مدينتي القاهرة
والعلمين بخصوص الدخول في المرحلة الثانية من خطة ترامب، حتى لا نؤثر على
فرحة أهلنا في القطاع التواقين إلى أي حل يخفف عنهم المعاناة ، وخصوصاً
أن الرئيس الأمريكي ترامب وصف الاتفاق بأنه رائع وجيد.

ومع ترحيبنا بأي اتفاق لوقف الموت والدمار ودرء خطر التهجير، ومع تقديرنا
لجهود الوسطاء وما أبدته الأطراف الفلسطينية المشاركة من جهد ومرونة، إلا
أنه يجب عدم الرهان على تصريحات ترامب حول الاتفاق؛ فهي تصريحات ظرفية
وقد تتغير في أي لحظة. كما يجب ألا يغيب عن بالنا أن ترامب هو صاحب مخطط
تهجير سكان القطاع وبناء “ريفيرا” في غزة، وهو الذي قال إن إسرائيل صغيرة
ويجب أن تتوسع. كذلك، يجب ألا نبالغ في وجود خلافات استراتيجية بين
الإدارتين الأمريكية والإسرائيلية حتى بخصوص ملف غزة؛ فهم قد يختلفون في
آليات التنفيذ وتوقيته، ولكن ليس حول الأهداف الاستراتيجية، وهي أهداف
تتجاوز قطاع غزة إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط كما تحدث عنه ترامب
ونتنياهو مباشرة بعد 7 أكتوبر.

أما بخصوص ما يسمى الاتفاق، فهو في حقيقة الأمر مجرد تفاهمات بين الفصائل
والوسطاء وميلادينوف ممثلاً عن (مجلس السلام العالمي) قربت المواقف
بينهم، ولكنها ليست اتفاقاً بين طرفي الحرب والصراع لتنفذ إسرائيل ما
تبقى عليها من التزامات حسب المرحلة الأولى، أو تبدأ تنفيذ المرحلة
الثانية من خطة ترامب؛ وذلك لأن إسرائيل ليست طرفاً في هذا الاتفاق.

إن الاتفاق بهذا الشأن يتطلب موافقة طرفي الحرب، وخصوصاً إسرائيل الغائبة
عن الاتفاق والتي لم يصدر عن نتنياهو أي موقف رسمي حول الموضوع، بل صدرت
تصريحات معادية للاتفاق من وزراء في حكومته. كما أن ميلادينوف وافق
نتنياهو على أن تنفيذ ما على إسرائيل من التزامات، وعودة لجنة
التكنوقراط، وانتشار القوات الدولية، يأتي بعد نزع سلاح حماس وفصائل
المقاومة.

وحتى الآن، من غير الواضح إن كان بدء تنفيذ التفاهمات أو ما يسمى
(الاتفاق) يجري بطريقة صامتة، فهل يمكن أن يكون وقف الاغتيالات رسالة
(حسن نية) من إسرائيل تنتظر المقابل من حماس؟ أم إننا ما زلنا ننتظر
مزيداً من المفاوضات لتقريب المواقف لإرضاء إسرائيل لتصبح جزءاً من
الاتفاق؟

وفي النهاية، نذكر بأن اتفاق الهدنة الأول في أكتوبر 2025 جرد حماس
والفصائل مما كانت تعتبرها ورقة قوة وهي المخطوفون الإسرائيليون، ويبدو
أنه تجري الآن محاولات لتجريد حماس والفصائل من آخر أوراق قوتها وهو
السلاح؛ فإلى أين تسير الأمور في القطاع؟

لماذا تغيب أو يتم تغييب المنظمة والسلطة عما يجري في قطاع غزة؟

سؤال طرحه كثيرون منذ بداية حرب الإبادة على غزة بل حتى قبل ذلك منذ
سيطرة حماس على القطاع صيف ٢٠٠٧ ،وإن كان بعض المتسائلين ينطلقون من
منطلق التشكيك والاتهام متجاهلين أن السلطة استمرت بالإيفاء بالتزاماتها
المالية تجاه موظفي القطاع وتمويل قطاعات مهمة كالصحة والتعليم ،ولكن
هناك وقائع تؤكد حالة الإرباك وعدم الوضوح السياسي في العلاقة ببن
الطرفين وخصوصا بعد السابع من أكتوبر ٢٠٢٣.

فمع تراجع حضور وشعبية حركة حماس، ولا سيما بعد تفاهمات القاهرة والعلمين
الداخلية بين حماس والوسطاء وميلادينوف بداية الشهر وقبول الحركة وكل
الفصائل المسلحة تسليم سلاحها ،ولا داعي هنا للتلاعب بالكلمات ما بين
التسليم والجمع والتخزين حيث الخطوة الثالثة لا تتم إلا بعد الخطوتين
السابقتين او التمييز بين السلاح الثقيل والخفيف، وبروز دور التيار
الإصلاحي لحركة فتح في إنجاز الاتفاق، وظهور اسم محمد دحلان وكأنه الناطق
باسم قطاع غزة؛ ولا توجد مشكلة هنا، لأن السياسة الواقعية لا تعرف
الفراغ، ولا توجد جهة فلسطينية فاعلة في القطاع يمكنها ملء فراغ تراجع
حماس او تدوير دورها وإعادة تموضعها ليصبح ثانويا وخصوصا بعد تسليم
السلاح. والناس في القطاع يبحثون ولو عن بصيص أمل لوقف ما يتعرضون له من
موت ودمار وجوع.

ولكن المشكلة والملف الذي يستحق الانتباه؛ هو غياب منظمة التحرير والسلطة
وحركة فتح الرسمية عن اجتماعات القاهرة وما توصلت إليه من تفاهمات، وعدم
صدور أي موقف رسمي عن هذا (الاتفاق)، بالرغم من أن منظمة التحرير هي
الممثل الشرعي والوحيد لكل الشعب الفلسطيني، بما في ذلك سكان القطاع،
والسلطة الوطنية يُفترض أن تشمل صلاحياتها الضفة وغزة، والعالم يتعامل
معها على هذا الأساس، وحركة فتح هي أم الجماهير والعمود الفقري للمنظمة
وقائدة المشروع الوطني.

فما هو تفسير ذلك؟

صحيح أن إسرائيل وحركة حماس ترفضان أي تواجد أو دور للسلطة في القطاع،
ومبادرة ترامب التي جرت على أساسها مفاوضات القاهرة لمحت لاحتمال وجود
دور مستقبلي للسلطة، ولكن هل يبرر ذلك هذا الغياب؟ ولماذا لم توظف
القيادة الفلسطينية علاقاتها مع الوسطاء (مصر وتركيا وقطر) لتمرير حضورها
في اجتماعات القاهرة؟ وخصوصاً أن تفاهمات القاهرة ـ في حال تنفيذها بعد
موافقة نتنياهو المشكوك فيها ـ ستؤدي إلى الفصل الجغرافي والسياسي
والاجتماعي النهائي ما بين الضفة وغزة، والحديث هنا يجري عن سلطة وقانون
واحد في القطاع دون أي إشارة للضفة بل وهناك حديث عن إصدار بطاقتات هويات
خاصة بسكان القطاع يصدرها مجلس ميلادينوف ؟ أم ان المنظمة والسلطة تعلمان
عبث كل ما يجري وأن مصير القطاع ستحدده واشنطن وتل أبيب واي مشاركة أو
حضور فلسطين أو عربي او دولي مجرد مناورة وتضليل ولن يكون لهم اي دور
فاعل؟ كما لا تريد أن تكون طرفاً في اتفاق يؤدي إلى نزع سلاح الفصائل مع
أن هذا كان مطلبها منذ سنوات ولكن ليس بهذه الطريقة وبهذا الثمن.

إرسال التعليق