إعادة بناء المخابرات المصرية

عمرو شوقي

سارت عملية إعادة بناء جهاز المخابرات العامة المصرية في عهد الرئيس أنور السادات (1970–1981) على مسارين متوازيين، اولهما تطهير ما تبقى من “مراكز القوى”، وثانيهما إعادة صياغة العقيدة الأمنية للجهاز ليتفرغ تماماً للأمن القومي الخارجي، وخاصة معركة تحرير سيناء. فكيف تم إعادة بناء الجهاز في تلك الحقبة؟..
رغم أن عبد الناصر بدأ عملية تطهير اجهزة ومؤسسات الدولة عام 1968 ومنها جهاز المخابرات، إلا أن بعض القيادات الأمنية ظلت تشكل شبكة نفوذ قوية (عُرفت بمراكز القوى) حاولت محاصرة السادات في بداية حكمه. وفي 15 مايو 1971، قاد السادات ما سُمي بـ “ثورة التصحيح”؛ حيث أطاح بـ “أحمد كامل” (رئيس المخابرات العامة آنذاك) وعدد من القيادات الأمنية والسياسية التي ثبت تجسسها على مؤسسة الرئاسة. وأمر السادات علناً بـ حرق أشرطة التسجيل والملفات السرية التي كانت تستخدم لابتزاز المواطنين والمسؤولين بمقر وزارة الداخلية والمخابرات، في خطوة رمزية وفعلية لإنهاء عصر “الدولة داخل الدولة”. وأدرك السادات أن السيطرة على الجهاز تحتاج إلى قيادة عسكرية واستخباراتية من طراز رفيع تدين بالولاء للدولة وليس للأشخاص. عيّن السادات القائد العسكري المخضرم أحمد إسماعيل علي (المشير لاحقاً) رئيساً للمخابرات العامة عام 1971، ثم تبعه قادة كبار مثل أحمد عبد السلام توفيق وكمال حسن علي. تم عزل واستبعاد العناصر ذات النزعة الأمنية الداخلية، وضخ دماء جديدة من ضباط القوات المسلحة وهيئة عمليات حرب أكتوبر المحترفين، ممن يتميزون بالانضباط العسكري الصارم والبعد التام عن المناورات السياسية الحزبية.
ولمنع عودة المخابرات كـ “إقطاعية أمنية”، اعتمد السادات استراتيجيات قانونية وتنظيمية صارمة، وهي الفصل الحاسم بين التخصصات (الداخل والخارج)، حيث تم سحب كافة الصلاحيات الأمنية الداخلية من المخابرات العامة بشكل قطعي. وأصبح جهاز “مباحث أمن الدولة” (التابع لوزارة الداخلية) هو المسئول الوحيد عن الأمن الداخلي، في حين انحصرت مهمة المخابرات العامة في الأمن القومي الخارجي، مكافحة التجسس الأجنبي، وجمع المعلومات الاستراتيجية. ايضا يراعى التبعية المباشرة والدقيقة لرئاسة الجمهورية، حيث أُعيد إرساء قاعدة أن المخابرات العامة جهاز استشاري تابع لرئيس الجمهورية (بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة). لم يعد لرئيس الجهاز الحق في اتخاذ قرارات سياسية مستقلة أو التدخل في شؤون الوزارات والتعيينات المدنية. ايضا وجه السادات كل إمكانيات الجهاز المادية والفنية نحو هدف واحد، وهو التحضير لحرب أكتوبر 1973. تحول الجهاز من مراقبة الداخل إلى إدارة أضخم خطة “خداع استراتيجي” في التاريخ الحديث، شملت تضليل أجهزة المخابرات الغربية والإسرائيلية حول موعد الحرب وقدرات الجيش المصري.
واخيرا صدر القانون رقم 100 لسنة 1971 والمعدل بالقانون رقم 232 لسنة 1975 بشأن المخابرات العامة، والذي وضع إطاراً قانونياً محدداً لعمل الجهاز، ميزانيته، وصلاحياته، مع تشديد العقوبات داخل الجهاز على أي استغلال للنفوذ أو تجاوز للقوانين المعتمدة. وقد نجحت هذه الهيكلة الجديدة في تحويل المخابرات العامة إلى جهاز احترافي من الطراز الأول، ومن أبرز نجاحاته في عهد السادات:

  • خطة الخداع الاستراتيجي (1973) وتسريب معلومات مضللة لإسرائيل عن الحالة الاقتصادية والعسكرية لمصر، مما جعل العدو يستبعد تماماً قيام حرب في أكتوبر.
  • عملية الحفار (مارس 1970) حيث تدمير الحفار الإسرائيلي “كيتينج” في ساحل عاج قبل وصوله لخليج السويس للتنقيب عن البترول.
  • عملية زرع عميل مصري جمعة الشوان (أحمد الهوان) نجح في اختراق الموساد والحصول على أحدث أجهزة الإرسال الفنية في ذلك الوقت.
    وبفضل هذه التحولات، أُغلقت صفحة انحرافات الستينيات كلياً، وتحول الجهاز إلى درع حقيقي ومحترف لحماية الأمن القومي الخارجي لمصر.

إرسال التعليق