اخر الاخبار

مداوروش… حين يكبر الإسمنت

مداوروش… حين يكبر الإسمنت

رشيد مصباح (فوزي)
خرجتُ اليوم أتجوّل في شبه المدينة، أبحث عن شيء من الخضر، أشتري ولو كيلوغرامًا واحدًا من البطاطا، أو أي شيء آخر يمكن أن يُطبخ في بيت لا يوجد فيه شيء. وبعد جولة لم تُسفر عن شيء تقريبًا، كنتُ على وشك أن أعود إلى البيت «خالي الوفاض»، أو كما يقولون: بلا خُفّي حنين ولا حتى بطاطا.
وفي تلك اللحظة، وقعت عيناي على «عزالدين»، صديق قديم من أولئك الذين قرّروا الهجرة في تسعينيات القرن الماضي.
كان مهندسًا، وينتمي إلى عائلة محافظة وعريقة، وكان قبل هجرته إلى سويسرا يشغل منصبًا كإطار سامٍ في شركة وطنية. بمعنى آخر، لم تكن هجرته بحثًا عن لقمة العيش، كما هو حال كثير من شبابنا اليوم، وإنما كانت أقرب إلى رغبة في التغيير والبحث عن أفق آخر.
دعوتُه إلى قهوة، فاستجاب دون تردد.
كانت بيننا علاقة قديمة تعود إلى أيام كنت أزور فيها الجامعة، ثم تخرّج هو، وأصبح مسؤولًا في إحدى الشركات الوطنية.
اختار أحد المقاهي الشعبية المعروفة، ربما لأن مثل هذه الأماكن، رغم بساطتها، تظل أحيانًا أكثر ملاءمة للقاءات الحميمة من الصالونات الرسمية.
طلب صديقي قهوة، بينما طلبتُ أنا زنجبيلًا. أصبح الزنجبيل بالنسبة إليّ عادة، بل طبيعة ثانية.
وبينما كنا نتبادل أطراف الحديث، ارتفع صوت أحد الجالسين إلى جوارنا.
فجأة، ارتبك صديقي، وتشابكت أفكاره، ولم يعد قادرًا على مواصلة الكلام كما كان.
ابتسمتُ في داخلي.
حتى القهوة في مدينتنا لم تعد مجرّد قهوة.
قلتُ في نفسي: هذا هو حال مداوروش اليوم.
تبحث في مدينة تقترب من مئة ألف نسمة عن كيلوغرام من البطاطا، فلا تجده.
تجلس في مقهى مع صديق عزيز جاء من سويسرا، ولا تجد مكانًا آخر يجمعكما، فتتعرّض لإرهاصات من نوع غريب.
وإذا ألمّت بك وعكة صحية، فلا تجد أمامك إلّا قاعة علاج محدودة الإمكانات، تذهب إليها مضطرًا، فلا تجد سريرًا شاغرًا تنام عليه، وإن وجدته، فلا تبدأ في البحث عن شروط النظافة!
والأغرب من كل ذلك أن الجميع يريد أن يترشّح، والجميع يريد المسؤولية، والجميع مستعد لدخول سباق المسؤوليات، ولو كلّفه ذلك ما يكلّفه.
سألني صديقي، وهو ينظر إلى المدينة باستغراب:
— كيف أصبحت مداوروش بهذا الحجم؟
كان يتذكّرها كما عرفها قديمًا.
قلتُ له إن المدينة كبرت فعلًا، ولكن المشكلة أن الذي كبر هو الحجم، أي الكم، وليس بالضرورة نوعية الحياة.
زادت العمارات، وزاد عدد السكان، واتّسعت الأحياء، لكن معها زادت البطالة، وتكاثرت المشكلات الاجتماعية، وظهرت انحرافات لم تكن مألوفة بهذا الحجم، ووصل بعضها إلى الجريمة، بينما بقيت المرافق الضرورية تسير خلف المدينة بخطوات متعبة.
وحين تتوسّع المدينة من دون أن تتوسّع معها المدرسة، والمركز الصحي، والمرافق الثقافية والرياضية والترفيهية، ودور العبادة، وشبكات الصرف والطرقات والنقل، فإنك لا تكون قد صنعت مدينة جديدة، بل صنعت نسخة أكبر من المشكلات القديمة.
وهنا تذكّرتُ أمام صديقي حكاية قديمة جرت لي مع صديق لنا، كان يشغل منصب نائب رئيس البلدية في مطلع الألفية الجديدة، «جمال و.خ»، صاحب الأخلاق المميّزة. رحمه الله.
كانت مداوروش يومها تعيش على وقع مشاريع ضخمة للسكنات الاجتماعية.
وفي أحد الأيام، كان صديقي النائب رفقة تقني يمثّل مكتب الدراسات من سوق أهراس. وما إن رآني حتى ابتسم وقال:
— هانا جبنالكم مشاريع!
سألتُه بعفوية:
— وما هو هذا المشروع؟
أجابني:
— رايحين نبونولكم باطيمات.
أي عمارات.
فأجبتُه على الفور:
— مشروع قاذورات!
نظر التقني إليّ وكأنه لم يفهم شيئًا، ثم نظر إلى صديقي النائب، وقد بدا الغضب على وجهه.
ولأنني رأيتُ أن الرجل لم يفهم المقصود، قرّرتُ أن أشرح له بدل أن أتركه غاضبًا.
قلت:
«كنا ننتظر مشاريع أخرى نجد فيها راحتنا وحياتنا: مؤسسات تربوية، مرافق ثقافية، منشآت رياضية، أماكن للترفيه، ومسجدًا على الأقل…
لكنكم قرّرتم أن تبنوا العمارات في كل مكان.
والأهم من ذلك أنكم قد تبنون آلاف المنازل والشقق، ثم تكتشفون بعد ذلك أن المدينة تحتاج إلى شبكة صرف صحي تتناسب مع هذا الحجم الجديد من السكان.
عندها لا تعود العمارات مشروعًا للسكن فحسب، بل تصبح مشروعًا لمشكلات أخرى».
ثم استحضرتُ له حكاية قديمة تُروى عن أشغال بناء باريس، ومغزاها أن المدينة ينبغي أن تُخطّط لما قد تصبح عليه، لا لما هي عليه في لحظتها.
وسواء صحت الرواية بكل تفاصيلها أم كانت من الحكايات التي تناقلها بعض الكتّاب، فإن معناها يظل صالحًا لكل مدينة تريد أن تكبر:
لا تبنِ لعدد سكان اليوم، إذا كنت تريد لمدينتك أن تستوعب سكان الغد.
فالمشكلة ليست في أن تبني.
المشكلة أن تبني من دون أن تفكر في ما بعد البناء.
مداوروش لم تعد القرية التي عرفها صديقي حين غادرها.
لقد كبرت.
لكن السؤال الحقيقي ليس: كم كبرت؟
بل:
ماذا أضفنا إلى حياة الإنسان فيها، بقدر ما أضفنا إليها من إسمنت؟
لأن المدينة لا تصبح كبيرة بكثرة العمارات.
المدينة تكبر عندما يستطيع سكانها أن يجدوا فيها، إلى جانب البيت، مدرسةً جيدة، ومستشفى، ومركزًا صحيًا، وملعبًا، ومكتبة، ومسجدًا، ومسرحًا، وحديقة، وشبكة صرف صحي تستوعبها، وسوقًا يجد فيه المواطن كيلو البطاطا حين يحتاج إليه.
وإلّا فإننا سنظل نبني مدينة كبيرة…
ونبحث فيها عن الأشياء الصغيرة التي تجعل الحياة ممكنة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك