كرة القدم جنون اجتماعي
كرة القدم جنون اجتماعي
كرة القدم رياضة جماعية تُلعب بين فريقين يتكون كل منهما من أحد عشر لاعباً بكرة مُكوَّرة. يلعب كرة القدم 250 مليون لاعب في أكثر من مائتي دولة حول العالم، فلذلك تكون الرياضةالأكثر شعبية وانتشاراً في العالم.
زادت شعبية كرة القدم وأصبحت مبارياتها احتفالا فى النصف الثاني من القرن العشرين بسببالتليفزيون والتغطية الإعلامية والمحيط المثير الذي يحيط باللعبة. أصبحت تبسيطا للمسرحالاجتماعي وتناقضاته، وغدا المستطيل الأخضر ميدانا مصغّرا تنعكس فيه صورة المجتمعالحقيقية من مراوغة القانون، التحايل، العداء، الدهاء، العنف، الصراع، حبّ الانتماء، وشيء منالإبداع. وهكذا يشبع المتفرّج لا شعوريا حاجته إلى الشفافية والوضوح، إذ تتبسّط أمامه رمزياتعقيدات المجتمع التي تتجاوزه في الواقع. تخلق الكرة، بهذا المعنى، وضوحا مؤقتا يسعدالمتفرّج، فهي مثل الأسطورة تلغي تعقيدات الأفعال الإنسانية وتسبغ عليها بساطة كلية، وتنفيكلّ ديالكتيكية، وكلّ محاولة للذهاب إلى أبعد ممّا هو مباشر وملموس. مقارنة بمجال النشاطاليوميّ المبرمج والمقنّن والروتينيّ في غالب الأحيان، وبعده عن الإثارة والعواطف، ومقارنةبضبابية المجالات السياسية والاقتصادية، وخصوصية قطاع الثقافة والفنّ وتعاليه. تلعب كرةالقدم دور الأسطورة بالنسبة لجماهير العصر الحاضر، إذ تعوّض للمتفرّجين ذلك الوضوح الذييفتقدونه في مجالات الحياة الأخرى، وتصبح بمثابة نور يبزغ في عتمة الواقع، وربّما ذاك هو سرّجمعها لعدد أسطوريّ من الأفراد وتحويلهم لفترة معيّنة إلى كتل جماهيرية لم يسبق أن حدثمثلها في تاريخ البشرية.
لقد أخذت وظيفة المسرح فغدت شكلا من أشكال المسرح المعاصر، لكنّه مسرح للطبقاتالدنيا في المجتمع. يقول عالم الاجتماع فيناي في كتابه “الرياضة في المجتمع الطبقي” أن كرةالقدم”تثبت في الأعماق مبدأ الواقع لمجتمع يستغلّ نظامه الاقتصادي الضاري الأرواحوالأجساد ويغري الناس بمبدأ الرأسمالية ومنطقها. ولا يكتفي هذا الجنون الاجتماعيّ بزرع بذرةالوعي الكاذب بل يخلق نمط الإنسان الذي يقوم بحماية الحكام المتسلّطين”. ألا يجسّد حكمالمباراة السّلطة المستبدّة في الملعب؟؟.
السلطة المطلقة غير القابلة للنقاش والتي لا تعترف بأخطائها ولو قدّم لها البرهان الدامغ. ألايمكن أن تكون الكرة في بعض الأحيان وسيلة لصرف الجماهير عن حاجاتها الحيوية؟؟. ألا يكونالاهتمام بنادي الكرة في المدينة أو القرية تعويضا لعدم تمكن الأكثرية من الاهتمام بما يجريفي سراديب السلطة المحلية؟؟. أليس اهتماما بمسموح تعويضا لممنوع؟؟. ألا يجد الناس فيالكرة ما يحلمون أن يجدوه في حياتهم العامة، حرية التعبير، الانحياز العلني لجهة معينة ثقافيةأو سياسية أو دينية. انتخاب رئيس النادي ديمقراطيا، التظاهر في الشارع، تعددية النوادي،تكافؤ فرص إظهار المواهب، حلم أيّ طفل مهما كان فقيرا أن يصبح “زيدان” أو “بيكام” أو”ميسي” او “محمد صلاح”..؟؟. في الكرة مثلا لا يمكن توريث الأبناء ولا يمكن أيضا تغييرقواعد اللعبة كما نشاء، لكن كلّنا في الكرة همٌّ. ألم ينفق الشاه ملايين الدولارات لتتأهّل إيرانإلى نهائيات كأس العالم؟؟ ألم يفعل صدام حسين المستحيل ليتأهّل الفريق العراقيّ إلىالمونديال في عزّ لهيب الحرب العراقية- الإيرانية؟؟. ألا يكون التعلّق بكرة القدم هروبا منالواقع؟؟. ألا يكون حنينا إلى اللامعقول والأسطورة؟؟.
فى كتاب العبودية الاختيارية للكاتب الفرنسي إتيان دولا بواسيه تحدث فيه عن الأجيال التىنشأت في أنظمة استبدادية وكيف ساهم ذلك فى توائمهم مع الفساد والذى نتج عنه ما يعرفبالمواطن المستقر الذى يتحكم فيه ثلاث عوامل منها كرة القدم فيقول: أما في كرة القدم،فيجد المواطن المستقر تعويضا له عن أشياء حرم منها في حياته اليومية. إن كرة القدم تنسيههمومه وتحقق له العدالة التي فقدها خلال ٩٠ دقيقة تخضع هذه اللعبة لقواعد واضحة عادلةتحقق على الجميع فلماذا تهتم الأنظمة بهذه اللعبة دون غيرها من الأنشطة المفيدة التيتساهم فى بناء المجتمع؟؟
عندما استضافت إيطاليا كأس العالم عام ١٩٣٤ قال موسوليني “لم أتصور ان ولاء الايطاليينلهذه اللعبة يفوق ولاءهم لإيطاليا وأحزابها الوطنية، سنفعل ما بوسعنا لاستضافة البطولةالقادمة”، وبالفعل استضافت ايطاليا البطولة التالية عام ١٩٣٨. وبعد فوز انجلترا بكأس العالم١٩٦٦ كتب وزير الاقتصاد روبرت كروسمان : “هذا النصر سيخفف الضغوط على الجنيهالإسترليني ويحد من عمليات المتاجرة ضده”.. أما رئيس الوزراء هارولد ويلسون فقد نسبالفوز لصالح حزبه، فقال “لم تكن انجلترا ستفوز بكأس العالم لو بقيت في ظل حكومة العمال”. وفى عام ١٩٧٠ تألق منتخب البرازيل حيث اجتمعت فيه كوكبة من النجوم مثل بيليه وريفالينووتستاو. وحين فاز الفريق بالكأس بكى اللاعب توستاو لحد انه اغمى عليه فظن الجميع أنهادموع الفرح غير انه اعترف لاحقا بأنها دموع الندم لأنهم بذلك الفوز ألهوا الشعب وسمحواللعسكر بتعزيز سلطتهم غير الشرعية الذى حدث فى البلاد.
وفي الأرجنتين حين استولى الجنرالات على الحكم فعلوا المستحيل لضمان استضافة كأسالعالم عام ١٩٧٨ دفعوا من الرشاوى ما وضع الفريق الأرجنتيني منذ البداية في مجموعة ضعيفةتبعدها عن مواجهة البرازيل. وفي الأدوار النهائية بدا مؤكدا ان البرازيل ستتأهل للمباراةالختامية بعد تغلبها على بولندا بنتيجة ٣/صفر كون هذه النتيجة تعني أن على الأرجنتين التغلبعلى فريق بيرو القوي بفارق أربعة لصفر كي تتأهل للمباراة النهائية. وفي موقعة تخاذل فيهامنتخب البيرو فازت الأرجنتين ٦ صفر فأقصت بذلك البرازيل وفازت بالكأس على حسابهولندا. ثم اتضح بعد ذلك ان البنك المركزي الأرجنتيني اشترى تلك المباراة من حكومة البيرونظير شطب ٥٠٠ مليون دولار كديون مستحقة عليها، إضافة إلى التهديدات التى وصلت للاعبيالمنتخب الأرجنتيني بالقتل في حال خسروا أمام هولندا.
وفي إحدى البطولات القارية طلبت حكومة السلفادور من حكومة الهندوراس السماح لهابالفوز بالبطولة، بغرض إلهاء الشعب عن المشاكل الداخلية بالبلاد، لكن حكومة هندوراسرفضت الطلب وفازت على السلفادور مما أدى لنشوب معركة حقيقية غزت فيها جيوشالسلفادور هندوراس، كطريقة أخرى لإلهاء الشعب عن تلك المشاكل التى تعانى منها البلاد.
وفي بطولة ١٩٥٠ وصلت البرازيل والأروجواي للمباراة النهائية وفي الليلة السابقة للمباراة حضرمن الاروجواي مسؤول حكومي كبير طلب الانفراد باللاعبين وفي ذلك الاجتماع شكرهم علىالجهد المبذول للوصول للمباراة النهائية ولكن حذرهم من ان الفوز علي البرازيل سيعرضعلاقات البلدين للخطر ويضر بمصالح الاورجواى. ولكن رغم هذا التحذير ورغم ان جميع النقادرشحوا البرازيل انتفض لاعبو الاوروجواي لكرامتهم وفازوا على البرازيل في عقر دارها أمام مئاتالمتفرجين.
فإذا كانت كرة القدم لها دور كبير فى نهضة الشعوب فلماذا لا نرى دول العالم المتقدم الذىصعد القمر واخترع التكنولوجيا وامتد نفوذه فى الشرق والغرب لا يَصْب كل اهتمام حكوماتهورؤسائه بها مثلما تفعل البلاد العربية بل ينظر إليها كأي نشاط أخر ولا تستحق أن يُنفق عليهملايين الدولارات كما تفعل البلاد النامية التى تستنشق الجوع والفقر كل يوم. الإجابة بكلبساطة، لأنهم يعلمون أنه ليس باللعب تتقدم الشعوب.
وإنما بالعلم والصحة والصناعة والزراعة وامتلاك السلاح والغذاء والدواء يتقدم شعوبهمويبقوا بالمقدمة.
د محمد إبراهيم بسيوني



إرسال التعليق