أزمة السيولة وتأخير الرواتب في العراق: بين الواقع والحلول الممكنة
أزمة السيولة وتأخير الرواتب في العراق: بين الواقع والحلول الممكنة
حيدر حسين سويري
مع حلول الثالث من الشهر الجاري (آب 2026)، يتجدد قلق الشارع العراقي وشريحة الموظفين العريضة
بسبب تأخر صرف المرتبات الشهرية.
هذه الظاهرة لم تعد مجرد تفصيل إداري عابر، بل هي مؤشر واضح على أزمة سيولة مالية خانقة تمسك
بتلابيب الاقتصاد الوطني. ومع استشراء الفساد وتراكم المليارات المنقودة (المدفونة في المنازل والخزائن
الخاصة خارج التداول المصرفي)، يجد الاقتصاد نفسه أمام انسداد هيكلي يحتاج إلى قرارات جريئة وحاسمة.
أمام هذه التحديات، تبرز مقترحات ورؤى يمكن تقديمها كخارطة طريق للحكومة لتجاوز هذه الاختناقات،
حيث تتركز الحلول في مسارين رئيسيين: أحدهما آني وسريع، والآخر استراتيجي بعيد المدى.
أولاً: الحل الآني (الإجراء السريع)
تكمن المشكلة الأساسية في نقص السيولة النقدية لدى البنك المركزي بالكتلة النقدية المخزونة لدى
المواطنين والتجار خارج الجهاز المصرفي. ولحل هذه المشكلة بشكل عاجل، يُقترح:
إصدار قرار سريع بتغيير العملة الوطنية: استبدال الفئات النقدية الحالية بفئات جديدة وتحديد فترة زمنية
قصيرة (شهر واحد مثلاً) للإيداع والاستبدال.
سحب الكتلة النقدية المدفونة: هذا الإجراء سيجبر كل من يحتفظ بمليارات الدنانير في المنازل على إدخالها
للنظام المصرفي لاستبدالها، مما يعيد السيولة فوراً إلى خزينة الدولة ويحد من قدرة الفاسدين على الاحتفاظ
بالأموال المخفية.
السيطرة على سوق الصرف: بالتوازي مع تغيير العملة، يُراعى ضبط سعر صرف الدولار وتنظيمه لمنع
الذهاب نحو شراء العملة الصعبة كبديل للاحتفاظ بالدينار خلال فترة الاستبدال.
ثانياً: الحل الاستراتيجي بعيد المدى:
لا يمكن للحلول الوقتية أن تبني اقتصاداً متيناً دون التحول الشامل نحو الأتمتة والشمول المالي. يتلخص
هذا الحل في إلغاء التعامل النقدي (الكاش) تدريجياً وتعميم الدفع الإلكتروني:
التحول الرقمي الشامل = قضاء على الفساد + سيطرة كاملة على الحركة المالية
تشميل قطاع الخدمات والتجزئة بالكامل:
جعل عمليات البيع، الشراء، أجور النقل والتكسي، وحتى التعاملات اليومية البسيطة (كشراء الخبز والمواد
الغذائية) تتم حتماً عبر البطاقات الذكية (Mastercard / Visa).
توفير البنية التحتية بأسعار ميسرة:
توفير أجهزة الدفع الإلكتروني ($POS$) لأصحاب المحال التجارية، التاكسيات، والأسواق بكلف معقولة
وتشجيعهم على استخدامها عبر حوافز ضريبية أو تسهيلات مصرفية.
الاستفادة من التجارب الإقليمية:
تُعد التجربة الإيرانية مثالاً ناصعاً في هذا المجال؛ حيث نجحت في أتمتة الاقتصاد بالكامل، إذ لا تجرى أي
عملية تجارية أو خدمية إلا عبر البطاقة المصرفية، مما أتاح للسلطات المالية السيطرة الكاملة على الكتلة
النقدية وتقليل الاعتماد على النقد الورقي إلى أدنى مستوياته.
بقي شيء…
إن الاستمرار في الاعتماد على الحلول الترقيعية وانتظار مبيعات النفط لتمويل الرواتب سيبقي الدولة تحت
رحمة التقلبات المالية والفساد المستشري. إن الإرادة السياسية الصارمة والبدء بتطبيق هذين الحلين (تغيير
العملة لاستعادة النقد، والأتمتة الشاملة للسيطرة على الاقتصاد) هما المخرج الوحيد لضمان الاستقرار المالي
وحماية حقوق الموظفين والمواطنين.



إرسال التعليق