رأي

مكانة إيران في صداقة أذربيجان

بقلم الدكتور مختار فاتح بي ديلي
طبيب – باحث في الشؤون التركية وأوراسيا

تشكِّل أذربيجان أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لإيران، بفضل الموقع الجغرافي المهم فهي طريق اتصالها بروسيا شمالًا. إلى جانب الثقافي والعقائدي المشترك بين سكانها بوجود اكثر من 35 مليون من اتراك أذربيجان في ايران ، فهي ولأسباب كثيرة، شكَّلت على الدوام نقطة التمركز الأساسية في توجُّه إيران نحو القوقاز.وتُعد أذربيجان، البلد ذا الغالبية المسلمة، من الدول المهمة والمحورية على الخارطة السياسية الغربية؛ الأوروبية والأميركية، وهي في الوقت ذاته في محيط جغرافي عالي التنافسية؛ إذ يضم روسيا وإيران وتركيا. وفي محيط كهذا فإن القدرة على بناء سياسة خارجية فعَّالة ومتوازنة، مسألة تتجاوز فن بناء العلاقات الدولية، لتصبح أداة للبقاء.
لم تكد تهدأ العلاقات الإيرانية الأذربيجانية وتستقر بعد الحرب الأخيرة التي شهدها إقليم قرة باغ، حتى بدأت طهران من جديد في شن حملات تشويه كبيرة استهدفت باكو وأنقرة، عن طريق أبواقها الإعلامية ونواب بمجلس الشعب الإيراني، متعدية على الاحترام المتبادل مع دول الجوار والتاريخ المشترك، ومتغافلة عن المواثيق الأخلاقية الدبلوماسية والصحفية.
إيران ، التي أصبحت مؤخرًا نقطة محورية في النقاش حول التعاون المتبادل والمصالح الأخرى مع دول الجوار وعلى كافة الاصعدة وخاصة في مجال الدبلوماسية الدولية والوضع الاجتماعي والسياسي المحلي والدولي ؛ وقد استقرت ايران في المرتبة 21 بين دول العالم الرائدة في مجال انتهاكات حقوق الإنسان.إن الأتراك الأذربيجانيين الجنوبيين في إيران ، هم الذين يشكلون الغالبية العظمى من الأقليات التي تعيش في إيران ، ويشكلون ثلث السكان البالغ عددهم قرابة 75 مليون نسمة.
تتكون الغالبية العظمى من سكان العاصمة طهران من أتراك أذربيجان الجنوبية ومن تركمان صحرا وأتراك القشقاي الذين نزحوا اليها من مناطق تبريز وأردبيل وزنجان وأوريميا ، وهم يسيطرون تمامًا على الحياة التجارية والاقتصادية في العاصمة والمدن الايرانية الاخرى .
من خلال الإشارة إلى التقاليد الثقافية العرقية واللغوية غير المتجانسة للغاية (من خلال الإشارة إلى الانعكاسات الاجتماعية والثقافية الناتج عن الهويات العرقية والدينية ، هذا يعكس التوترات الخصبة بين الاثنيات المشكلة للهوية الاجتماعية في المجتمع الايراني لتعكس التوترات الخصبة بين تلك الاثنيات القومية الى التساؤل .
الأتراك الأذربيجانيون الجنوبيون والتركمان وأتراك القشقاي، الذين يتعرضون للاضطهاد بموجب الجنسية الإيرانية ، يواصلون حياتهم في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية مختلفة صعبة للغاية.تبلغ نسبة السكان في إيران الذين لا يستخدمون اللغة الفارسية كلغة أولى حوالي 50٪. على الرغم من أنهم يشكلون جزءا كبيرا للسكان ، وغالبيتهم من أتراك الأذربيجان الجنوبية في إيران وعددهم تقدر بين 35-40 مليون نسمة وكذلك تركمان صحرا وأتراك القشقاي والتي تقدر عددهم حوالي خمسة ملايين ليس لديهم حقوق ثقافية وأجتماعية مهمة مثل الصحف والاذاعة والتلفزة والتعليم بلغتهم الخاصة.
لديهم نوادي السينما ونادي رياضي يسمى تراكتور ، من خلالها يحاولون التعريف بانفسهم والحفاظ على ثقافتهم وتقاليدهم.
من ناحية أخرى ، يلاحظ أن هناك سياسات وانتهكات وتخويف التي تفرضها إيران على المواطنين أذربيجان الجنوبية على بوابات الجمارك مع جمهورية أذربيجان ،وتبقي مواطني جمهورية أذربيجان في انتظار الإجراءات الجمركية طويلة ومعقدة عبر المعابر دون أي سبب .علاقة إيران بأذربيجان معقّدة وصعبة للغاية وتتّسم غالباً بالسلبية والعداء. إيران دعمت تاريخياً أرمينيا التي ظلت تحتل أراضي أذربيجانيّة لحوالي 30 عاماً قبل أن تستطيع أذربيجان العام الماضي إنزال هزيمة سريعة وحاسمة بالقوات الأرمينية المحتلة في حرب استمرت 44 يوماً والتي حررت بسواعد الجيش الاذربيجاني البطل بقيادة المظفر الهام علييف وانتهت بتحرير جزء واسع من الأراضي الأذربيجانية المحتلة في ناغورنو ـ قره باغ بدعم من تركيا.
كانت إيران قبل أرمينيا خاسرة الاكبر من الاتفاق الذي رعته روسيا بين باكو ويريفان بعد حرب قره باغ الثانية، وعلى الرغم من الترحيب الرسمي الايراني به، واعتباره ذا أهمية لإحلال السلام في المنطقة، فإن تصريحات وتحليلات جهات مقربة من صناع القرار في طهران تشير إلى أن الترحيب الحكومي تشوبه في الوقت نفسه مخاوف وقلق مما يمكن أن تصل إليه ترتيبات الأوضاع في مراحل مقبلة في المنطقة.
ايران الان غير قادره على قبول سياسات التنمية الاقتصادية الأخيرة لأذربيجان في منطقة القوقاز،كذلك قلق الايراني من احتمال حدوث تغيير في حدودها مع أرمينيا وتنشيط النقل التجاري لأذربيجان في مدينة شوشا التاريخية المحررة مع العالم التركي بين تركيا وجمهوريات أسيا الوسطى التركية عند فتح المعابر وخاصة معبر زنغازو الاستراتجية والمخاوف الأمنية الداخلية الناشئة الناتجة من تنقل سكان المناطق الحدودية وخاصة الأتراك أذربيجان الجنوبية عبر تلك المعابر الاستراتيجية.
علاوة على ذلك، فإنّ علاقات أقوى لأذربيجان مع تركيا تعني بالضرورة نفوذاً أكبر لأنقرة في كل هذه المناطق. ومع الجهود التركية المتعاظمة لإحياء العالم التركي من خلال مجلس الدول التركية، ونجاح أنقرة في تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي والعسكري في الساحات المُشار إليها، فإنّ إيران بدأت تستشعر خطر عزلها وتقويض نفوذها في مناطق كانت حتى الأمس القريب تعتبر أنّ وجودها فيها هو تحصيل حاصل، وأنّ مهمّتها الأساسية تتركّز فقط على إنشاء وتعزيز نفوذها باتجاه الغرب نحو البحر المتوسط عبر العراق وبلاد الشام، والبحر الأحمر عبر شبه الجزيرة العربية.
ونجد في الداخل الإيراني أن النظام لديها موقف غير عادل وغير قانوني تجاه مواطنيها من أتراك أذربيجان الجنوبية والتركمان من الطبقة المثقفة . على سبيل المثال ، أدين إليرزا فارشي ، وهو مدافع عن حقوق اللغة التركية ، بموجب المادة 101 من المحكمة العامة. حكم عليه من قبل الإدارة الجنائية 11شهر و 15يوم في السجن مع 50 صعقة كهربائية. الناشط عباس ليساني من جمهورية أذربيجان، سافر الى إيران ، لتلقي العلاج الطبي ، احتُجز في سجن أردبيل لأنه لم يستطع تمديد علاجه الطبي.يثير موقف إيران غير الودي الذي لا حصر له تجاه جمهورية أذربيجان مخاوف لدى أتراك جمهورية أذربيجان عامة وأتراك أذربيجان الجنوبية في داخل نظام الملالي .
على الرغم من لقاءات المتكررة ، لقادة أذربيجان وأرمينيا إلهام علييف ونيكولاس باشينيان في بروكسل بدعوة من رئيس المجلس الأوروبي تشارلز ميشيل لمناقشة الاوضاع في جنوب القوقاز والعلاقات بين الاتحاد الأوروبي لتسريع العمل على إعداد اتفاقية سلام دائم بين البلدين وترسيم الحدود كل خطوات الاتفاق الاذربيجاني الارميني من جهة ومن جهة اخرى التعاون المشترك الاخوي الأذربيجاني مع العالم التركي يزعج ايران واسبابها معروفة للجميع.
تمتلك العلاقات الأذربيجانية-الإيرانية مقومات عديدة تجعلها قادرة على تقريب البلدين، وترتكز هذه المقومات بصورة أساسية على المشترك التاريخي والاجتماعي والثقافي والديني. لكن هذا المشترك تعترضه عقبات كبيرة حيث لم ينجح المشترك الديني كما كان مأمولًا منه في بناء علاقات قوية بين إيران وأذربيجان، ويرجع ذلك بصورة خاصة إلى طبيعة البِنية السياسية لنظام الحكم في كل دولة، وتعارُض توجهات السياسة الخارجية لحكومتي البلدين.
يجب ألا تنسى إيران أنها يجب أن تمتنع عن الأعمال التي لا ترتبط بالمصالح الإقليمية والسلام في إطار الحياة المشتركة في المنطقة حيث تعتمد وجود الدولة واستمراريتها في الحفاظ على السلام والامن الدوليين وموقفها السلمي مع دول الجوار دون التدخل في شؤونها الداخلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى