هل يشكل نتنياهو الحكومة القادمة ؟ .. كل سيناريوهات تشكيل الحكومة الاسرائيلية القادمة

سليمان زكريا
دخلت الخارطة السياسية في إسرائيل مرحلة غاية في الحساسية والتعقيد عقب الاتفاق الأخير لقادة أحزاب المعارضة (“كتلة التغيير والإصلاح”) على ترشيح رئيس أركان الجيش السابق وقائد حزب “يشار”، غادي آيزنكوت، لتشكيل “حكومة طوارئ وطنية”. وفي حين يرى معسكر المعارضة في آيزنكوت الشخصية الأقدر على توحيد الصفوف وتجاوز انقسامات مرحلة ما بعد 7 أكتوبر، يواصل رئيس الوزراء المخصم بنيامين نتنياهو صراعه السياسي المعهود مستنداً إلى تماسك كتلته اليمينية ومهاراته الشطرنجية في المناورة والبقاء.
فيما يلي تحليل مفصل يفكك الحسابات الرقمية والحظوظ السياسية لكلا الطرفين للظفر بمقعد رئاسة الحكومة.
1. حظوظ غادي آيزنكوت: شرعية الأغلبية الحسابية مقابل فيتو اليمين القومي
يمتلك غادي آيزنكوت أوراق قوة غير مسبوقة تضعه في صدارة المشهد كبديل جدي لنتنياهو، إلا أن المسار نحو الحسم يعترضه معمار ائتلافي شديد الهشاشة.
أوراق القوة والمزايا:
- إجماع المعارضة وشخصية “العسكري المنقذ”: يحظى آيزنكوت بتقدير واسع لدى الشارع الإسرائيلي خلفيته العسكرية كحقيبة أمنية وثقيلة، واستطاع توحيد أقطاب المعارضة (مثل يائير لبيد، نفتالي بينيت، وأفيغدور ليبرمان) للتوصية به أمام رئيس الدولة.
- التفوق الحسابي (أغلبية الـ 67 مقعداً): أفقياً، تمتلك الأحزاب المناهضة لنتنياهو مع القائمة العربية الموحدة والأحزاب العربية ما مجموعه 67 مقعداً من أصل 120 في الكنيست، مما يحرم نتنياهو من الأغلبية المطلقة (61 مقعداً) ويعطي آيزنكوت الشرعية الحسابية التامة للمطالبة بالتكليف.
- الرفض القاطع للشراكة مع نتنياهو: أعلن آيزنكوت حسم أمره برفض الشراكة أو الدخول في حكومة وحدة تحت قيادة نتنياهو، حتى لو انطوى الأمر على ضغوط خارجية (كالتشجيع الأمريكي)، مما يغلق الباب أمام طوق النجاة التقليدي لنتنياهو.
العقبات والخطوط الحمراء:
- عقدة الصوت العربي (عقبة ليبرمان وبينيت): تعتمد الأغلبية الحسابية لآيزنكوت (67 مقعداً) على تصويت الأحزاب العربية. وتكمن الأزمة في رفض أفيغدور ليبرمان ونفتالي بينيت القاطع لتشكيل حكومة تعتمد نهائياً أو تستند إلى دعم الأحزاب العربية، مما يجعل تشكيل “حكومة أضيق” مسألة شاقة من دون شق صفوف اليمين التقليدي.
- الاعتماد على انشقاقات من الليكود: يتوقف نجاح آيزنكوت الفعلي في تشكيل حكومة صلبة على قدرته على استقطاب “متمردين” أو منشقين من حزب الليكود أو الأحزاب الحريدية الرغبة في التخلص من حالة الانسداد والتجنيد العسكري.
2. حظوظ بنيامين نتنياهو: التكتل الصلب ورهان شق صفوف الخصوم
على الجانب الآخر، يمر نتنياهو بآحرج لحظات حياته السياسية، لكنه لا يزال يحتفظ بقواعد جدارية تمكنه من التعطيل والمناورة الهجومية.
أوراق القوة والمزايا:
- التكتل اليميني الأكثر تماسكاً (53 مقعداً): يقود نتنياهو الكتلة البرلمانية الأكبر المتماسكة أيديولوجياً وتنظيمياً (الليكود، الصهيونية الدينية، والأحزاب الحريدية). هذه الكتلة تمنحه قاعدة دفاعية صلبة تمنع آيزنكوت من الوصول إلى 61 مقعداً صافياً بسهولة دون صفقات معقدة.
- استغلال تناقضات المعارضة: يراهن نتنياهو بشكل أساسي على فشل المعارضة في الاتفاق على صيغة للتعايش مع الكتلة العربية. وسيسعى جاهداً للضغط الإعلامي والسياسي على ليبرمان وبينيت لاتهامهما بـ “التفريط بالهوية الصهيونية للدولة” في حال التعاون مع الأحزاب العربية.
- القدرة على الاختراق والاقتطاع: تاريخياً، يمتلك نتنياهو مهارة عالية في إغراء بعض نواب أحزاب اليمين أو الوسط في كتلة المعارضة بالحقائب والمناصب الفردية لشق صفوفهم وتأمين الأصوات الخمسة أو الثمانية الناقصة لتشكيل حكومة الـ 61.
العقبات والتهديدات:
- عزلة سياسية وأزمة الثقة: بات نتنياهو معزولاً لدى أكثر من نِصف الشارع الإسرائيلي والغالبيّة العظمى من القوى السياسية، في ظل تحميله المسؤولية المباشرة عن إخفاقات 7 أكتوبر واستمرار الحرب.
- معضلة تجنيد الحريديم: تشكل قضية قانون التجنيد للأرثوذكس الفائقين (الحريديم) قنبلة موقوتة داخل ائتلافه؛ حيث يرفض شركاؤه الحريديم التنازل، بينما يضغط المجتمع والجيش نحو فرض التجنيد، مما يهدد بتفكك كتلته اليمينية من الداخل.
3. السيناريوهات المحتملة وخريطة الحسم
| السيناريو | آليات التحقق | نسبة الاحتمال |
| حكومة تغيير برئاسة آيزنكوت (بدعم خارجي من العرب) | نجاح آيزنكوت في إقناع ليبرمان وبينيت بالتصويت لحكومة أضيق تتغاضى عن الصوت العربي كدعم خارجي مؤقت لإسقاط نتنياهو. | متوسطة إلى مرتفعة |
| استقطاب متمردين وتشكل حكومة مركز-يمين | انشقاق نواب من الليكود وانضمامهم لكتلة آيزنكوت لتشكيل حكومة صهيونية كلاسيكية دون الحاجة للأحزاب العربية. | متوسطة |
| نجاح نتنياهو في التعطيل والشق | إفشال مهلة آيزنكوت، واستقطاب منشقين من معسكر التغيير لتأمين 61 مقعداً لنتنياهو. | متوسطة إلى منخفضة |
| الذهاب لانتخابات مبكرة جديدة | وصول الطرفين إلى حالة الفراغ والانسداد المتبادل وتعذر جمع أغلبية الـ 61 مقعداً لأي منهما. | قائمة ومطروحة |
تقف إسرائيل أمام نقطة تحول سياسي غير مسبوقة؛ فبينما تتفوق جبهة غادي آيزنكوت عدديّاً ورغبةً في التغيير الشامل، تظل التناقضات الأيديولوجية بين أطياف معسكره المتعدد العائق الأكثر خطورة أمام استلام السلطة. وفي المقابل، يمتلك بنيامين نتنياهو قاعدة صلبة ومناورة أخيره، لكن خياراته باتت محصورة بين شق صفوف خصومه أو مواجهة نهاية عهده السياسي في حال نجحت المعارضة في تحويل إجماعها العددي إلى حكومة أمر واقع.



إرسال التعليق