نتائج غير حاسمة في الانتخابات الإسرائيلية… مأزق سياسي جديد على حافة الهاوية

دكتور رافي عبيدة

شهد المشهد السياسي الإسرائيلي هزّة جديدة ومستمرة مع إفراز صناديق الاقتراع لنتائج غير حاسمة، تعيد إحياء شبح الأزمات الحكومية والانسداد البرلماني. ففي أول محطة انتخابية كبرى تعقب مخاضات وتداعيات صعبة على المستويات الأمنية والعسكرية والسياسية، عجزت الخريطة الحزبية عن تقديم أغلبية مطلقة واضحة لأي من المعسكرين المتنافسين. هذا المأزق لم يكن مجرد أرقام مبهمة على شاشات المتابعة، بل هو تعبير حقيقي عن انقسام عميق ومزمن يعصف بالشارع والمؤسسات الإسرائيلية على حد سواء.

1. خريطة الانقسام: أرقام بلا حسم وأغلبية ضائعة

وفقاً للمعطيات والنتائج الأولية المتلاحقة، تقف كتل المعسكرين متقاربة بشكل لافت، دون أن يتمكن أي طرف من الوصول إلى السحر البرلماني المتمثل في 61 مقعداً (النصاب القانوني لتشكيل الحكومة في الكنيست المكون من 120 مقعداً).

  • معسكر اليمين والائتلاف الحالي: بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يحاول جاهداً الصمود والتمسك بالأرض مستنداً إلى قواعده التقليدية وحلفائه من الأحزاب الحريدية والقومية المتطرفة، لكنه يواجه صعوبة بالغة في عبور خط النهاية منفرداً.
  • معسكر المعارضة والبدائل: يضم تشكيلات واسعة تقودها شخصيات بارزة (مثل غادي آيزنكوت ويائير جولان وغيرهم)، والتي أعلنت التحدي معتبرة أن النتائج تعكس رغبة جزء كبير من الجمهور في التغيير، إلا أنها تعاني بدورها من تشتت داخلي وصعوبة في ترقيع التحالفات مع الأطراف المتباينة.
  • بيضة القبان (الأحزاب العربية): سجلت القوائم والأحزاب الممثلة لفلسطيني الداخل أرقاماً وحضوراً لافتًا، وسط نقاش حاد حول مدى قدرتها على التأثير في المعادلة أو التحالف ضمن صيغ غير تقليدية لكسر الجمود.

2. لماذا تبدو النتائج مستعصية على الحسم؟

تعود حالة “لاحسم” إلى جملة من العوامل البنيوية والنفسية التي طبعت هذه المرحلة:

  • التصويت العقابي والاستقطاب الحاد: انقسم الناخب إسرائيلياً بين خيار الاستمرار تحت شعارات “الأمن والزعيم القوي” وبين الرغبة في قلب الطاولة والخروج من دائرة الاستنزاف المستمر. هذا الاستقطاب رفع نسب المشاركة بشكل ملحوظ، لكنه وزع الأصوات بدقة شديدة حالت دون تفوق ساحق لأي طرف.
  • تآكل الثقة في الأحزاب التقليدية: أدى تعدد الأزمات السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية إلى تآكل ولاء الناخبين للأحزاب الكبرى، وصعود تكتلات وسطية ويمنية صغيرة تعمل كـ”عقبات تفاوضية” تعقّد حسابات الائتلافات القادمة.
  • فخ الشروط المسبقة: يتمسك زعماء الكتل بخطوط حمراء صارمة تجاه بعضهم البعض، مما يجعل أي محاولة لتشكيل حكومة وحدة موسعة أو ائتلاف هجين أشبه بالسير حفاة على الألغام.

3. السيناريوهات المظلمة: هل تلوح في الأفق انتخابات جديدة؟

أمام هذه النتائج غير الحاسمة، تتعدد السيناريوهات المطروحة في كواليس السياسة الإسرائيلية، وكلها تحمل قدراً عالياً من الهشاشة:

  1. حكومة ائتلافية هشة (أقلية أو موسعة): محاولة ترقيع ائتلاف يجمع متناقضات سياسية تحت ضغط الضرورة، وهي حكومة عادة ما تكون رهينة لأبسط ابتزاز حزبي وقابلة للانهيار سريعاً.
  2. سيناريو التناوب المتعثر: إعادة تدوير صيغ سابقة تقضي بتناوب شخصيتين على رئاسة الحكومة، رغم فشل السوابق التاريخية لهذا الخيار في الصمود طويلاً.
  3. السيناريو الأسوأ (الذهاب لانتخابات جديدة): وهو الخيار الذي يخشاه الشارع والطبقة السياسية معاً، لكنه يظل مط وبقوة إذا استمر طريق مسدودة المفاوضات، مما يعني دخول البلاد في دوامة إضافية من الشلل السياسي وإهدار الوقت والقدرات.

تثبت النتائج غير الحاسمة في هذه الانتخابات أن النظام السياسي الإسرائيلي يعاني من أزمة بنيوية عميقة تمنحه صفة “الاستقرار المؤقت” وتجرّه دائماً إلى حافة الفوضى. فبدل أن تفرز صناديق الاقتراع تفويضاً واضحاً لإنهاء حالة الانقسام، عمّقت هذه النتائج من حالة التشرذم، لتظل إسرائيل رهينةً لتوازنات دقيقة وصراعات حزبية ضيقة تعجز عن توفير أفق سياسي مستقر.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك