الفقر الوظيفي …إدارة العجز و التفقير المتعمد للشعوب
هندي دريد
في أدبيات الاقتصاد التقليدي، يُعرَّف الفقر كخلل في آليات التوزيع، أو فشل في تحقيق النمو، أو نقص في الموارد والتأهيل. غير أن القراءة العميقة للاقتصاد السياسي المعاصر تكشف عن وجهٍ آخر أكثر صرامة: الفقر ليس خطأً في النظام الاقتصاد النيوليبرالي، بل هو إحدى أدواته الوظيفية الأساسية لضبط المجتمع والحفاظ على توازنات السلطة وزيادة تراكم رأس المال.
عندما يُدرس الفقر من تقاطع الزاويتين الاجتماعية والسياسية، يتضح أنه يُدار بعناية كاستراتيجية ضبط واحتواء، وليس كأزمة تسعى المنظومة للقضاء عليها كلياً.
أولاً: الفقر كأداة هندسة وضبط سياسي
في النموذج النيوليبرالي، يؤدي الفقر والهشاشة الاقتصادية وظيفة حيوية تلخصها فكرة “ضبط السلوك عبر العوز”. الفرد الذي يعيش على حافة الكفاف المالي يواجه حالة مستمرة من انعدام الأمان؛ وهو وضع يُضعف قدرته على المساومة أو المخاطرة:
- إضعاف القدرة التفاوضية للعمالة: وجود شريحة واسعة من المعوزين أو الخائفين من السقوط في الفقر يضمن إمداداً مستمراً للأسواق بعمالة مرنة ومستكينة. يمتنع العامل المنهك عن المطالبة بتحسين ظروف العمل أو رفع الأجور، خشية الاستبدال الفوري بمن هم أكثر حاجةً منه.
- تحييد الفاعلية السياسية: المواطن الغارق في تأمين المتطلبات الأساسية للعيش يفتقر إلى الفائض الزمني والنفسي للعمل السياسي المنظم أو النقد المؤسسي. يتحول الانشغال المعيشي من همٍّ فردي إلى صمام أمان سياسي يلجم حركات الاحتجاج ويقلل من فرص تشكل كتلة ضاغطة تتحدى قواعد اللعبة الاقتصادية.
ثانياً: وهم “الإشباع المؤجل” والركض خلف السراب
تُبنى المجتمعات الاستهلاكية المعاصرة على ديناميكية نفسية واقتصادية شديدة الدقة: صناعة الرغبة مع تأجيل تحققها.
تتضافر الآلة الإعلانية والخطابات السياسية لترسيخ فكرة مفادها أن النجاح والرفاهية متاحان للجميع بشرط واحد: “الاستمرار في العمل، ومضاعفة الجهد، والتحلي بالصبر”. يُوعد المواطن باستمرار بأن التحسن الاقتصادي المرتقب يقبع عند النعطف القادم—سواء عبر ترقية وظيفية، أو سياسات إصلاح مرتقبة، أو عبر القروض والمنتجات الماليّة التي تتيح له استهلاك مظاهر الرفاهية قبل امتلاك ثمنها.
هذا المبدأ، الذي يمكن وصفه بـ “الإشباع المؤجل الدائم”، يحول الحياة الاقتصادية للفرد إلى سباق لا ينتهي. يُمنح المواطن جرعات متقطعة من الأمل الاستهلاكي (كالتسوق بالآجل، أو العروض الترويجية، أو خطط التقسيط)، ليبقى مدفوعاً بالرغبة في النجاة وحلم الارتقاء الطبقي، بينما تبتعد الغاية الحقيقية—أي الاستقلال المالي والحرية الاجتماعية—كلما اقترب منها.
ثالثاً: تسليع الإنسان وتثبيت المنظومة النيوليبرالية
النتيجة النهائية لهندسة العجز هذه هي اختزال الإنسان إلى وظيفة إنتاجية واستهلاكية محددة: ترس صغير في آلة ضخمة.
- الوقوع في مصيدة الديون: تحول النظام المالي إلى جزء من آلة ضبط السلوك. عبر الديون الشخصية، والبطاقات الائتمانية، والتمويل العقاري الممتد لعقود، يُربط الفرد بالمنظومة الاقتصادية برباط حاد، مما يجعل أي تفكير في الانقطاع عن العمل أو الاحتجاج السياسي مجازفة قد تؤدي إلى انهيار حياته بالكامل.
- صناعة الملهيات الخاوقة: لتفادي تحول الإحباط إلى انفجار اجتماعي، تُحيط المنظومة الفرد بكمٍّ هائل من الملهيات الرقمية، والترفيه الاستهلاكي الموجه، والخطابات التي تفرد أسباب الفقر (تحميل الفرد مسؤولية فقره باعتباره نتيجة لسوء قراراته أو كسله)، مما يصرف النظر عن العيوب الهيكلية للنظام نفسه.
ختاما: الفقر بوصفه دعامة للنظام
إن النظر إلى الفقر كـ “وظيفة” يُغير فهمنا لكيفية عمل الاقتصادات الحديثة. فالنظام الذي يُنتج الفقر ويديره ليس نظاماً متضرراً أو عاجزاً، بل هو نظام يؤدي دوره المخطط له بكفاءة عالية؛ حيث يُستخدم الحرمان الاقتصادي والتهديد الدائم به كأداة لضمان استمرار دوران العجلة الإنتاجية، واستقرار العلاقات الطبقية، واستدامة السيطرة دون الحاجة إلى استخدام أدوات الإكراه المباشرة.



إرسال التعليق