لماذا يسترد الإنسان قسوته مع استرداد عافيته؟
في غياهب المرض ولحظات الانكسار الجسدي، يطرأ على الكائن البشري تحولٌ دراماتيكي؛ يلين جانبه، وتخبو في نفسه نيران الكبرياء والبطش، فيغدو فجأةً لطيفاً، متسامحاً، ورقيق الفؤاد. يرى العالم بظلال من الزهد والشفقة، ويتودد إلى من حوله بنبرة خافضة ترجو السلامة وتطلب الود. غير أن هذه “الطيبة الفجائية” كثيراً ما تتلاشى كبخار الماء حالما تسري العافية في جسده مجدداً، ليعود إلى سابق عهده من البطش، وتأكيد الذات، والسيطرة!
يطرح هذا التناقض الصارخ في السلوك البشري أسئلة سيكولوجية وفلسفية عميقة حول ماهية “الأخلاق البشرية”: هل الإنسان طيب بطبعه والألم يذكره بأصله، أم أن الطيبة أحياناً ليست سوى قناع مؤقت للضعف والاحتياج؟
1. فلسفة الألم: انكسار الأنا وخضوع الكبرياء
حين يصاب الإنسان بالمرض، يتلقى الجسد ضربة مباشرة تزعزع إحساسه الوهمي بالسيادة والخلود. تنهار “الأنا” (The Ego) المتضخمة التي تغذيها السطوة، والمال، والصحة البدنية:
- انكشاف الهشاشة: يجد الإنسان نفسه عاجزاً أمام ميكروب مجهري أو خلية متمردة، فيدرك في لحظة تجلٍ خاطفة صغر حجمه في هذا الكون الشاسع.
- الانكفاء نحو الداخل: يجبر المرض صاحبه على الانفصال عن صراعاته الخارجية، وتصبح غايته الكبرى مجرد استعادة نَفَسٍ طبيعي أو الخلاص من ألم ينخر في عظامه، مما يجعل خصوماته القديمة تبدو فجأة بلا قيمة.
إن التسامح في لحظة المرض ليس دائماً خياراً أخلاقياً متسامياً بقدر ما هو “استسلام وقسري” للواقع؛ فالروح المجهدة لا تملك الطاقة اللازمة لممارسة الكراهية أو البطش.
2. سيكولوجية الاحتياج: الطيبة كوسيلة بقاء
على الصعيد النفسي التحليلي، تتغير بوصلة السلوك الإنساني تحت وطأة الحشية من الموت أو العجز:
- الحاجة إلى الآخر: المرض يعيد الإنسان إلى حالة “الطفولة الأولى”، حيث يصبح محتاجاً لرعاية ورأفة المحيطين به (الأطباء، العائلة، الأصدقاء). ولأن العقل البشري يدرك لاواعياً أن النفور يقطع أسباب الرعاية، فإنه يفعل القناع التكيفي: “الاستكانة واللطف” لجلب عطف الآخرين واهتمامهم.
- التكفير والندم المؤقت: في لحظات السرير الأبيض، يداهم الشعور بالذنب المريض، فيسارع إلى إظهار التسامح وطلب الصفح كنوع من “الصفقة النفسية” أو الإيمانية مع الحياة أملاً في النجاة والشفاء.
3. العودة إلى البطش: وهم القوة ونسيان الذاكرة النصية
الكارثة الفلسفية لا تكمن في مرحلة المرض، بل في لحظة “النقاهة والاستشفاء”. فور أن يتنفس الجسد الصعداء، وتدب الدماء الحارة في العروق، يبدأ التغير العكسي بالتسلل:
- فقدان الذاكرة الانفعالية: يمتلك العقل البشري خاصية الدفاعية لمحو آلام الماضي. فور زوال الوجع الجسدي، ينسى الإنسان كيف كان خائفاً وعاجزاً قبل أيام معدودة.
- استرداد أدوات السطوة: مع عودة العافية، تعود “الأنا” للانتفاخ. يستشعر الإنسان قدرته المادية والجسدية على التأثير والسيطرة، فيستأنف طموحاته وصراعاته من النقطة التي توقفت عندها.
- الانتقام من لحظة الضعف: في بعض الحالات النفسية المركبة، يمارس الإنسان البطش بعد الشفاء كنوع من “التعويض اللاشعوري” عن مرحلة الضعف والهوان التي عاشها أثناء المرض، وكأنه يريد أن يثبت لنفسه وللعالم أنه لم يعد ذلك المريض العاجز.
الخلاصة
تفرز هذه الظاهرة الإنسانية حقيقة قاسية: إن الأخلاق التي تولد من رحم الضعف والاحتياج غالباً ما تموت على أعتاب القوة والحرية.
الطيبة الحقيقية ليست تلك التي تفرضها علينا أسرّة المستشفيات وخفوت النبض، بل هي التي نمارسها ونحن في كامل عافيتنا وسيرتنا وقدرتنا على البطش فنختار أن نكون متسامحين. وإلى أن يدرك الإنسان أن العافية جدار هش قد ينهار في أي لحظة، سيظل يتردد بين قناع الوداعة عند المرض، وشراسة البطش فور التعافي!



إرسال التعليق