أشغال اليوم الدراسي جزأرة النقد الأدبي بين سطوة المنهج وروح الأمة.

موسى عزوق

الزمان: السبت 10 أكتوبر 2026 (ابتداءً من الساعة 09:00 صباحًا).

المكان: فندق ومطعم (لابيناد) – سطيف.

الموضوع: قراءة في موضوع اليوم الدراسي الموسوم بـ «روح النقد الأدبي»، من تنظيم مركز الشهاب للبحوث والدراسات .

تقديم وتأطير: في الثناء على المبادرة والاحتضان الثقافي

قبل الغوص في تفاصيل الأوراق العلمية والمساجلات الفكرية، لفت انتباه الحاضرين إجماعُ كل المتدخلين والنقاد على توجيه عبارات الثناء والتقدير لـ مركز الشهاب للبحوث والدراسات، وعلى رأسه الدكتور علي حليتيم؛ هذا الرجل الذي لم ييأس أبداً من إطلاق المبادرات الجبارة والنوعية في هذا الميدان الشاق. وبكل صدق وموضوعية، ليس من السهل إطلاقاً تحريك المياه الراكدة في هذا المشهد الثقافي وفي هذا الزمن بالذات.

كما ثَمّن الجميع الدور التشاركي الراقي لإدارة فندق «لابيناد» بسطيف في إنجاح هذه التظاهرة. وفي كلمته الافتتاحية، أشار رئيس الجلسة وممثل مركز الشهاب الدكتور خير الدين درويش إلى أن نشاط المركز جاء هذه المرة خارج أسوار مقره التقليدي، موجهاً شكراً خاصاً للقائمين على الفندق، في إشارة تعكس تقدير صاحب المؤسسة لمكانة المثقفين ورجال الفكر؛ وهو وعيٌ نادرٌ وجميلٌ في زماننا. وأكد الدكتور درويش فتح الأبواب وترحيب المركز بكل الراغبين في الانضمام والمشاركة في هذه التجربة الرائدة والمميزة .

الإطار المفاهيمي والإبستمولوجي: الرواية والنقد السيميائي

من أجل ضبط المفاهيم قبل اعتلاء مشرحة التحليل، يُستحسن تأطير العدة النظرية التي دارت حولها مداخلات اليوم الدراسي:

التعريف الدقيق للرواية: الرواية فن أدبي نثري سردي طويل يعتمد على تداخل الخيال والواقع؛ وهي نسيج مترابط من العناصر (الشخصيات، الأحداث، الحبكة، الزمان، المكان، الراوي، الحوار) يسير وفق تسلسل مدروس ليعبر عن تجربة إنسانية معقدة. تتميز بقدرتها على استيعاب تعدد الأصوات والرؤى والأزمنة، وبعمقها المعرفي والجمالي الذي يتجاوز مجرد الحكاية إلى طرح أسئلة الوجود والمجتمع والهوية. الرواية الحديثة (خاصة منذ القرن التاسع عشر) أصبحت «ملحمة العالم البرجوازي» كما وصفها بعض النقاد، أي تعبيراً عن صراع الفرد مع العالم الميكانيكي المعاصر

كيفية نقد الرواية سيميائياً (السيميائية السردية): السيميائية (أو السيميولوجيا) علم يدرس العلامات والأنظمة الدلالية. وفي نقد الرواية، خاصة عند مدرسة باريس مع ألجيرداس جوليان غريماس (1917–1992) ، يُحلل النص على مستويين:

  1. البنية السطحية: عبر النموذج العاملي (ستة عوامل: الذات، الموضوع، المرسل، المرسل إليه، المساعد، المعارض) والبرنامج السردي (التحول من حالة نقص إلى حالة امتلاك عبر سلسلة من الاختبارات).
  2. البنية العميقة: عبر المربع السيميائي (أداة تمثل علاقات التضاد والتناقض والنفي بين المفاهيم، مثل الحياة/الموت، الخير/الشر).

الهدف ليس إصدار حكم قيمة أخلاقي مباشر، بل كشف الآليات التي ينتج بها النص معناه، وكيف تتحرك الدلالة داخل النظام السردي

  1. عتبة النقاش وسؤال القيمة: الفجوة بين المبدع والناقد

افتُتحت الجلسات بطرح أطروحة جوهرية حول «سؤال القيمة في النص الأدبي الحديث»، إذ تساءل رئيس الجلسة عن موقع الرواية الحديثة اليوم: أين تقف؟ وما هدف التجربة الروائية؟ هل يرتبط بالشرعية الجمالية والمعرفية أم بالانطباع العابر؟

تخلل الافتتاح استحضارٌ لحكايات دالة ومؤلمة من واقع الساحة النقدية؛ كالحكاية التي كررها لاحقاً البروفيسور السعيد بوطاجين عن روائي جزائري لم يفهم مصطلحات «التفكيك»، وقول أحد الحاضرين إنه لولا تقدمه في السن لعاد إلى الجامعة ليفهم ما يُقال. هذه الحكايات تكشف عمق الفجوة القائمة بين المبدع والناقد.

كما لوحظ خلال الافتتاح تضخيمٌ للرواية وإعطاؤها حجماً يطغى على باقي الفنون الأدبية (يشبه هيمنة كرة القدم على باقي الرياضات)، بينما النقد الأدبي أوسع نطاقاً، ويقتضي الانفتاح على باقي الفنون دون اختزال “جزأرة الأدب” في التجربة الروائية وحدها.

  1. المداخلة الأولى: «السرد وجدلية النقد» – البروفيسور السعيد بوطاجين (1958 – )

استهل البروفيسور بوطاجين أشغال اليوم الدراسي بمداخلة مكثفة فكّك فيها العلاقة الإبستمولوجية بين الممارسة السردية والفعل النقدي:

هيمنة الرواية وسؤال النضج: تساءل عن سر طغيان الرواية على الشعر والمسرح والتراث، مشبهاً إياها بهيمنة كرة القدم على باقي الرياضات. وهل كتبنا رواية ناضجة أم مجرد قصص وانطباعات وسيَر ذاتية؟
السرد كزاد معرفي: أشار إلى أنه قبل 26 سنة ركّز على ثنائية «معرفة السرد وسرد المعرفة». فالرواية لها منحى أفقي (الحكاية) ومنحى عمودي (المعرفة والعمق)، واصفاً النصوص المعاصرة بـ «الباهتة» لأنها تفتقر إلى هذا الزاد المعرفي.
نظرية جبل الثلج: استشهد بـ إرنست همنغواي (1899–1961) الذي قال إن ثلث النص فقط يظهر على السطح بينما يختبئ الثلثان في العمق.
الآداب الناضجة: قارن بين النصوص الشكليّة العابرة والآداب الناضجة ذات الملمح الملحمي عند مارسيل بروست (1871–1922) وغاستون باشلار (1884–1962)
التقنيات السردية وسؤال «لماذا؟»: انتقد التعامل الشكلي مع التقنيات (التسريع والتبطئة). فمثلاً عند مالك حداد (1927–1978) يُستخدم السرد البطيء الواصف لبناء رؤية جمالية.
أزمة المناهج الجاهزة: انتقد السيمائيات المغلقة عند ألجيرداس غريماس (1917–1992) التي تكتفي باستخراج الآليات دون طرح سؤال الغاية.
الفجوة بين الناقد والكاتب: أعلن انسحابه من نقد الكتاب الجدد بسبب تضخم الأنا لديهم واقتناعهم بعدم الخطأ، حكائياً طرفة الروائي الذي رد على تصحيح عبارة «على المحبون» بقوله الموهوم «الحب لا يُجر ولا يُنصب!». واستشهد بتواضع أنطون تشيخوف (1860–1904) ، داعياً للعودة إلى عيون الأدب العالمي عند نيكوس كازانتزاكيس (1883–1957) وفيودور دوستويفسكي (1821–1881)

  1. المداخلة الثانية: «النقد وروح الأمة» – الدكتور اليامين بن تومي (1976 – )

قدم الدكتور اليامين بن تومي ورقة نقدية تفكيكية واستبصارية اتسمت بالحفر الفلسفي والثقافي:
مراجعة المسار النقدي: بدأ بحكاية تتلمذه على بوطاجين سنة 1998م وحمله لمحفظة أدوية أستاذه. ودعا إلى وضع الرواد على مشرحة النقد، أمثال عبد الحميد بورايو (1950 – ) ورشيد بن مالك (1956 –)

ثنائية الموجه القاهري والموجه الغربي: ميّز بين الموجه القاهري (المدرسة المصرية الشرقية المرتبطة بالتراث) والموجه الغربي (مدرسة باريس والسيمائيات)، مشيراً إلى أنهما حالا دون «جزأرة» حقيقية للنقد أثناء لحظات التأسيس.

مفهوم الاغتراب وصراع المادة والروح: استند إلى جورج لوكاتش (1885–1971). وتطرق إلى أن النظرية العربية القديمة (نظرية الإعجاز) نبعت من «الروح»، بينما النظرية الغربية من أرسطو (384–322 ق.م) . إلى كارل ماركس (1818–1883) وفريدريش هيغل (1770–1831) بُنيت على «الفعل والمادة».

الاستشراق ونقد الحضارة: استشهد بـإدوارد سعيد (1935–2003)ومالك بن نبي (1905–1973) ، ووائل حلاق (1958 ) ،إضافة إلى أطروحات المفكرة مغنية لزرق والناقد عبد الله إبراهيم (1957)

  1. المدارس والاتجاهات النقدية الشارحة (إضاءة مرجعية)

لتعميق فهم القارئ للمصطلحات والمدارس التي خيمت على جو الملتقى والافتتاحية:
فلاديمير بروب (1895–1970): عالم فلكلور روسي، درس «مورفولوجيا الحكاية الشعبية» وحدد 31 وظيفة سردية ثابتة، أثّر عميقاً في الشكلانية والبنيوية : الشكلانية الروسية: مدرسة ركزت على الشكل والتقنيات الأدبية (صنعة النص) بعيداً عن المضمون الاجتماعي أو الأخلاقي . البنيوية: منهج يرى النص نظاماً مغلقاً من العلاقات الداخلية، يبعد المؤلف والسياق والتاريخ («موت المؤلف») . ميخائيل باختين (1895–1975): فيلسوف وناقد روسي، صاحب نظرية الحوارية (الديالوجية) والتعدد الصوتي (البوليفونية) والكرنفالية . جاك دريدا (1930–2004): فيلسوف فرنسي من أصول جزائرية، مؤسس التفكيكية التي ترفض المعنى النهائي الثابت وتؤكد على «اللعب الحر للدوال» . نظرية التلقي: مدرسة (مع إيسر وجاوس) تضع القارئ في مركز إنتاج المعنى، مما يؤدي إلى تعدد الدلالات بتعدد القراء واختلاف استجاباتهم

  1. المداخلة الثالثة: «عيار التلقّي: حَفرٌ في أدب الواجهة..!» – الأستاذ عمار قواسمي

ختم المترجم والمدقق اللغوي الأستاذ عمار قواسمي الجلسات بورقة حول أبعاد التلقي؛ مؤكداً أن فعل التلقي هو جزء أصيل من صناعة الأدب. فحين يتغير معيار التلقي، تتغير قيمة النص ومكانته، محذراً من الانجراف وراء “أدب الواجهة” الاستهلاكي والسطحي الذي يصنعه التسويق على حساب النصوص العميقة التي تمتلك الأصالة والروح.
خلاصة وقراءة تقييمية: هل تحقق الهدف؟

أجمعت أشغال هذا اليوم الدراسي لـ [مركز الشهاب للبحوث والدراسات] على أن الخطاب النقدي الجزائري مطالبٌ اليوم بالخروج من استيراد المناهج الجافة (سواء الشكلانية أو السيميائية المغلقة أو التفكيكية) إلى «روح النقد» المرتبط بالهوية وروح الأمة.

ويكمن الحل في الاستفادة الواعية من الشرق والغرب دون اغتراب أو تبعية آليّة، وإعادة الاعتبار لسؤال القيمة والمعنى في المنجز الأدبي، مع الإبقاء على الرواية كجزء من المشهد الثقافي الشامل دون تضخيمها على حساب بقية الفنون والعلوم الإنسانية.

                                                                                           سطيف في : 10-10-2026

الهوامش والمراجع التوثيقية

لماجدي، علي. في فلسفة الرواية وبنيتها السردية. دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2010.

بن مالك، رشيد. قاموس مصطلحات التحليل السيميائي للنصوص. دار الحكمة، الجزائر، 200

بوطاجين، السعيد (1958 – ): ناقد وقاص وروائي وأكاديمي جزائري، أستاذ الأدب والنقد بجامعة الجزائر، صاحب كتاب السرد والمرجع ودراسات نقدیة متعددة.

Hemingway, Ernest (1899–1961): روائي وقاص أمريكي حائز على جائزة نوبل للأدب (1954)، صاحب نظرية “جبل الثلج” (Iceberg Theory) في الكتابة الإيحائية.

Bachelard, Gaston (1884–1962): فيلسوف فرنسي متخصص في إبستمولوجيا العلوم وفلسفة الجمال والخيال الشعري، من أشهر مؤلفاته جماليات المكان.

حداد، مالك (1927–1978): أديب وشاعر جزائري كتب باللغة الفرنسية، صاحب روائع روائية منها الانطباع الأخير وسأهبك غزالة.

Kazantzakis, Nikos (1883–1957): أديب وفيلسوف يوناني، صاحب ملحمة زوربا اليوناني والمسيح يصلب من جديد.

Dostoevsky, Fyodor (1821–1881): عملاق الرواية النفسية والفلسفية الروسية، صاحب الجريمة والعقاب والإخوة كارامازوف.

بن تومي، اليامين (1976 – ): أكاديمي وناقد وروائي جزائري، أستاذ تحليل الخطاب بجامعة سطيف 2، له مؤلفات في الهوية والسيميائيات والدراسات الثقافية.

رابط اليوم الدراسي :

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك