هل يتعلق الأمر بعملية خداع استراتيجي اسرائيلي ..قراءة في أبعاد التدريبات الجوية فوق الأردن وسوريا والعراق

توماس بولوس

تتكرر المشاهد الليلية في سماء المنطقة بنسق مبرمج؛ فبين الحين والآخر، تضج الأجواء فوق الأردن، سوريا، والعراق بحركة كثيفة لأسراب من الطائرات الحربية، لتمر الساعات وتنقضي الليلة دون تسجيل أي ضربات أو أعمال قتالية فعلية، مما يثير تساؤلات وهواجس مستمرة لدى الشارع والمراقبين. عسكرياً وإستراتيجياً، لا تعد هذه الحركات عبثية ولا هي بمحض الصدفة، بل تندرج ضمن الأنشطة العملياتية المعقدة المعروفة بـ “التدريب ومحاكاة العمليات القتالية”.

أولاً: الطبيعة العملياتية للتحليق المتكرر (المحاكاة والتنصت)

إن تسيير مقاتلات أمريكية ومن قبل الاحتلال الإسرائيلي لهذه الأسراب بشكل دوري ومنتظم يحمل أبعاداً تكتيكية بالغة الدقة:

  1. اختبار الجاهزية وبناء مسارات الطيران: تعتمد الخطط الهجومية المعقدة على رسم خرائط دقيقة لمسارات الطيران (Flight Paths)، وتجربة قدرة الطيارين على اختراق المجال الجوي وتجاوز العوائق الجغرافية والراداريه في بيئة عملياتية حقيقية مشابهة لمسارح العمليات المستهدفة.
  2. محاكاة سيناريوهات القصف: تُجري هذه الطائرات مناورات هجومية وهمية تتضمن الانقضاض، وإطلاق الذخائر الافتراضية، وتغيير التشكيلات الجوية تفادياً لأي دفاعات أرضية محتملة، مما يكسب الطواقم الجوية خبرة ميدانية تتجاوز المحاكاة الإلكترونية داخل غرف العمليات.

ثانياً: اختبار منظومات الدفاع الجوي ورصد الاستجابة الإيرانية

تُعتبر هذه الطلعات المكثفة بمثابة “مسبار إلكتروني واستخباراتي” ضخم موجه نحو الجبهات الإقليمية المناوئة، وعلى رأسها إيران وحلفاؤها:

  • فحص زمن الاستجابة (Reaction Time): تهدف هذه التدريبات إلى استدراج المنظومات الدفاعية ورصد سرعة تفعيل radars (الرادارات)، وتحديد مدى اليقظة والانتباه لدى شبكات الدفاع الجوي في المنطقة لمعرفة الزمن اللازم لرد الفعل اللحظي.
  • رصد الإجراءات الدفاعية اللحظية: عندما تحلق الأسراب، تعمل طائرات الحرب الإلكترونية والاستخبارات (مثل طائرات التجسس والأواكس) على التقاط البصمات الرادارية، وترددات الاتصالات، وكيفية تعامل غرف العمليات الأرضية مع التهديدات المفاجئة، وهو ما يُعرف عسكرياً بـ “جمع استخبارات الإشارات والإلكترونيات (SIGINT/ELINT)”.

ثالثاً: تحديث بنك الأهداف والخطط الهجومية

لا توجد خطة عسكرية ثابتة، بل تخضع لتحديثات مستمرة بناءً على المعطيات الميدانية المتغيرة. ومن خلال هذه المحاكاة المتكررة، تسعى القوات الأمريكية والإسرائيلية إلى:

  • تحديث بنك الأهداف: الوقوف على أي مستجدات تسليحية أو نشر لمنظومات دفاع جوي حديثة في مسارح العمليات (سواء عبر تطوير القدرات الإيرانية أو انتشارها الإقليمي).
  • تعديل الخطط الهجومية: تتيح المعطيات المباشرة المستمدة من هذه المناورات تعديل أي ثغرات أو معوقات محتملة في الخطط الهجومية الموضوعة لأي ضربة مستقبلية، لضمان أعلى نسب النجاح وأقل خسائر ممكنة.

الخلاصة

إن هذه الطلعات الليلية المتكررة ليست مجرد استعراض للقوة، بل هي عمليات استطلاع بالقوة (Reconnaissance in Force) وتدريب حي يهدف إلى إبقاء آلة الحرب في جهوزية قصوى، وجمع بنك معلومات متجدد يكفل للطرف المهاجم قراءة ردود الفعل الإيرانية والإقليمية بدقة متناهية، تمهيداً لأي سيناريو محتمل في المنطقة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك