اتركوني أنتحر!

الدكتور عزام مالك

منذ أزل التاريخ، والإنسان يعاني من تدخلات أهله، وأصدقائه، وجيرانه، وحماته، وكل عابر سبيل يمتلك نزعة “إنقاذ” زائفة. هل سألني أحدكم يوماً عما إذا كنت أريد أن أنقذ نفسي أصلاً؟ هل استشارتني شرطة النجدة في رغبتي الملحة في مغادرة هذا الكوكب العبثي بلا رجعة؟

لذا، ومن منبر الحرية الفردية والديمقراطية المطلقة في اختيار طريقة الموت، أرفع صوتاً مدوياً وأقولها بكل وضوح: اتركوني أنتحر بهدوء!

أولاً: حق تقرير المصير.. هل استأذنتكم في ولادتي حتى أستأذنكم في رحيلي؟

لنكن منطقيين؛ لم يقم أحد بسؤالي حين تم زجي في هذا العالم المزدحم بالفواتير، وأزمات المرور، وارتفاع أسعار الخضر والفواكه. لقد وجدْتُ نفسي ضحيّة صفقة ولادة لم تكن لي فيها ناقة ولا جمل. فلماذا، حين أقرر أخيرًا أن أنهي العقد بمحض إرادتي وبطريقة سلمية، يخرج لي “منقذ” عبقري ليمسك بيدي ويقول: “تراجع يا رفيق، الحياة جميلة”؟ يا سيدي الفاضل، الحياة قبيحة، وفاتورة الكهرباء تجاوزت الحد الأقصى لاحتمالي، وكل ما أطلبه هو تذكرة مغادرة بلا عودة، فلماذا تصرون على إبقائي هنا لأدفع الفاتورة القادمة؟

ثانياً: دراما الطوارئ.. من يتحمل تكلفة الإسعاف النفسي؟

أكبر مشكلة في محاولات الانتحار الفاشلة ليست في الموت بحد ذاته، بل في “البروباجندا” التي تليها. تتجمع حشود المارة، ويأتي رجال الشرطة، ويحضر رجال الإسعاف بصافراتهم المزعجة التي توقظ الجيران، ثم ينقلونني إلى المستشفى وسط نظرات الشفقة والشماتة. أليس من الأرخص لخزينة الدولة، ولأعصابي المهترئة، أن تتركوا الشخص ينجز مهمته في ركن هادئ دون كل هذا الضجيج البيروقراطي؟ لماذا تصرون على تحويل لحظة خروجي الهادئة من العالم إلى “عرض مسرحي” مجاني يسعد الهواة؟

ثالثاً: البدائل المتاحة.. دعوني أغادر بطريقتي الخاصة

لو تأملتم قليلاً لوجدتم أن الانتحار في عصرنا الحالي أصبح أرحم بكثير من الاستمرار في العيش. فأن تموت مرة واحدة خير لك من أن تموت ألف مرة كل صباح وأنت تبحث عن مكان لركن سيارتك أو تحاول فهم تصريحات المسؤولين الاقتصاديين. لذا، ومن باب الرفق بالحيوان البشري، أرجو من الجميع التوقف عن لعب دور الملائكة الحارسين. إن رأيتموني فوق شرفة أو متأهباً لاتخاذ خطوة دراماتيكية، فلا تصرخوا “لا تفعل”.. بل قدموا لي كراسي إضافية وربما فنجان قهوة، واتركوا لي حرية اتخاذ القرار النهائي.

الانتحار ليس جريمة ضد المجتمع، بل هو استقالة متأخرة جداً من شركة فاشلة اسمها “الحياة اليومية”. دعونا وشأننا، واحتفظوا بنصائحكم التنموية لأنفسكم؛ فمن الواضح أنكم لم تجربوا بعد دفع إيجار الشقة بمرتب لا يكفي حتى لشراء ثمن حبل القفز!

هذا المقال ساخر لا يعبر الا عن رأي الكاتب

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك