اعتماد توقيت مدرسي مستمر في الجزائر ..مبادرة من عضو برلمان
ليلى بلدي
يأتي التفاعل الحيوي للبرلماني الدكتور عمر بافولولو (عضو المجلس الشعبي الوطني) عبر صفحته الرسمية، ليفتح الباب على مصراعيه أمام نقاش وطني حول أحد أكثر الملفات حساسية ومسساساً بالأسرة الجزائرية: مقترح اعتماد التوقيت المدرسي المستمر من الثامنة صباحاً إلى الثانية زوالاً (08:00 – 14:00).
إن طرح هذا المقترح بصيغة الأسئلة المفتوحة للاستشارة لا يعكس فقط نهجاً تشاركياً في التشريع، بل يلامس الجذور اليومية لحياة الأسر، ضارباً في عمق الإشكاليات البيداغوجية والاجتماعية التي تعاني منها المنظومة التربوية.
التوقيت المستمر: بين جحيم الأعباء ورفاهية الاستقرار
إعادة هندسة الحياة الأسرية:
الواقع المعيشي الحالي، لا سيما في المدن الكبرى والمناطق الحضرية، يفرض على أولياء الأمور (الآباء والأمهات العاملين) ضغوطاً هائلة تتعلق بأربع عمليات نقل يومية للمتمدرسين (ذهاباً وإياباً للفترة الصباحية ثم المسائية). اعتماد التوقيت المستمر (حتى الثانية زوالاً) قد يشكل طوق نجاة حقيقي لتخفيف أعباء النقل، وإتاحة فرصة أفضل للأسر لتحقيق توازن حقيقي بين متطلبات الحياة المهنية والاستقرار الأسري.
أمن الطفل وسلامته أولاً:
يطرح هذا النظام تساؤلات مشروعة حول مصير أطفالنا بعد الساعات الرسمية؛ ففي حال عودة التلميذ إلى منزل خالٍ من والديه العاملين، تبرز تحديات أمنية وتربوية تتطلب توفير بدائل آمنة كالنوادي المدرسية أو المطاعم المهيأة، وهو ما يضع المؤسسات التربوية والجماعات المحلية أمام مسؤولية استحداث بيئة حاضنة وممتدة الرعاية.
الاستثمار في الإنسان: الأنشطة والتحصيل العلمي
بناء المهارات خارج الفصل:
إذا أُحسن استغلال الوقت المتبقي بعد الثانية زوالاً، فإن اليوم الدراسي لن ينتهي عند جدران القسم، بل سيمتد ليمنح التلاميذ فرصة ذهبية لممارسة الأنشطة الرياضية، الفنية، والثقافية التي تفتقر إليها المدارس حالياً بسبب ضيق الحيز الزمني الكلاسيكي. إن الطفل الذي ينتهي دوامه مبكراً يمتلك طاقة متجددة للإبداع والتكوين المتوازن.
التحصيل البيداغوجي والقدرة الاستيعابية:
هنا تكمن المحك الحقيقي؛ هل يستطيع التلميذ -خاصة في الأطوار الابتدائية والمتوسطة- التركيز لست متواصلة دون فترات راحة وتغذية كافية؟ إن نجاح هذا النظام مرتهن بإعادة النظر في هندسة المقررات الدراسية وتقليص الحشو المعرفي، لئلا تتحول “استمرارية اليوم” إلى إرهاق ذهني مضاعف.
خصوصية الجغرافيا ومرونة القرار المحلي
لعل أهم ما ميز طرح النائب عمر بافولولو هو التطرق لـ الخصوصية المحلية وإمكانية منح مديري التربية الولائيين صلاحية تقدير التوقيت الأنسب. فالظروف المناخية القاسية في الجنوب الجزائري لا تشبه الهضاب العليا أو السواحل، كما أن طبيعة المداشر والقرى تختلف جذرياً عن المراكز الحضرية. إن المركزية المفرطة طالما أضرّت بقرارات قطاع التربية، والمرونة هنا تعد ضرورة حتمية لنجاح أي نموذج جديد.
نحو نقاش مسؤول وبناء
إن مبادرة النائب عمر بافولولو تدعونا جميعاً -أولياء، أساتذة، ومختصين- لترك الشحن العاطفي والنقاشات السطحية، والانخراط في تقييم موضوعي يضع مصلحة التلميذ وجودة التعليم فوق كل اعتبار. فالتربية ليست مجرد أرقام في جداول التوقيت، بل هي بناء لمستقبل أمة بأكملها.
فهل تكون هذه الاستشارة شرارة إصلاح حقيقي يعيد للمدرسة الجزائرية هدوءها وفعاليتها؟ الأيام وحدها، وتفاعل الشارع مع هكذا مبادرات، ما كفيل بالإجابة.



إرسال التعليق