المغرب: هل يفلح القصر الملكي هذه المرة في فرض ملك جديد على الشعب بنفس الخُدع؟
داود مراد
في الكواليس المغلقة لقصور الحكم القديمة، تظل القواعد الحاكمة لاستمرارية العروش ثابتة لا تتغير: حين تضيق الحلقات، وتتآكل شرعية الوجوه التقليدية، وتفوح رائحة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية من الشوارع المنسية، لا بد للنظام من إعادة تدوير نفسه. والمملكة المغربية، التي لطالما تفننت في إدارة توازناتها الدقيقة بين واجهة التحديث المظهرية وباطن المخزن المحافظ، تجد نفسها اليوم أمام مأزق استراتيجي متجدد.
فوسط الأحاديث المتواترة والترتيبات الخفية المتعلقة بمستقبل رأس الهرم السياسي وخلافة العرش، يبرز السؤال الجوهري الذي يؤرق دوائر القرار في الرباط: هل يفلح القصر هذه المرة في فرض واقع انتقالي جديد على شعب يتغير وعيه، وبنفس الخدع والسيناريوهات البالية؟
أولاً: صناعة الوراثة والواجهات.. استراتيجية “تغيير الأقنعة”
اعتمد النظام المغربي عقوداً طويلة على استراتيجية ذكية تقوم على امتصاص الغضب الشعبي عبر هندسة دقيقة لعمليات الانتقال والصعود. وحين يواجه القصر احتقاناً متصاعداً، يلجأ إلى ورقة “التجديد الشكلي”:
- خطاب الحداثة الممنهجة: تسويق الوجوه الجديدة والقيادات الشابة المرتبطة بالدوائر الملكية على أنها “إصلاحية” وقادرة على بث الدماء في شرايين الإدارة المتهالكة.
- إدارة الأزمات عبر التخدير المؤقت: تقديم مكرمات ومشاريع واجهاتية كبرى (موانئ، قطارات فائقة السرعة، استضافات رياضية كبرى) لإلهاء الشارع عن تدهور الخدمات الأساسية، واتساع الفوارق الطبقية المرعبة بين طبقة المخزن المحظوظة وعامة الشعب الكادح.
هذه الآليات، التي أثبتت نجاعتها تاريخياً في احتواء الاحتجاجات، تحولت اليوم إلى أسطوانة مشروخة يقرؤها الشارع بوعي أعلى وسخرية أعمق.
ثانياً: جدار الصد المتصدع.. حين تفقد “الخدع القديمة” سحرها
المشكلة الحقيقية التي تواجه هندسة القصر اليوم لا تكمن في قدرته على اختيار الوريث أو إعادة ترتيب أوراق البروتوكول الملكي، بل في التحول الجذري في طبيعة المجتمع المغربي نفسه:
- تآكل هيبة الرمز المطلق: لم تعد الأجيال الشابة الجديدة في الدار البيضاء، وفاس، والريف، ومراكش تنظر إلى السلطة بمنظور “التقديس التقليدي” الذي عاش عليه آباؤهم. شبكات التواصل الاجتماعي، وتجربة الهجرة السرية (الحريغ)، ومرارة الواقع المعيشي، أسقطت الجدار النفسي للخوف.
- أزمة الاقتصاد والاجتماعي: أمام الغلاء الفاحش، وشح المياه، وارتفاع معدلات البطالة بين خريجي الجامعات، لم تعد الخطابات الرسمية عن “النموذج التنموي” تخدع أحداً. الشارع المغربي بات يدرك أن تبديل الواجهات السياسية أو تدوير الشخصيات الحاكمة لا يعدو كونها محاولة يائسة لحفظ امتيازات النظّام على حساب لقمة عيش المواطن.
ثالثاً: السيناريوهات المظلمة.. هل يقامر النظام بمستقبل الاستقرار؟
إن محاولة فرض ترتيبات سياسية أو وراثية فوقية بمعزل عن الإرادة الشعبية الحقيقية تعني دخول البلاد في منطقة تجاذب خطيرة. فالنظام الذي يختار الاستمرار في سياسة الإنكار والرهان على القمع الأمني الناعم أو شراء الصمت، يغفل حقيقة أن الأزمات البنيوية لا تُحل بالبروتوكولات.
- إذا تمسك المخزن بنفس العقيدة القديمة القائمة على “الاستبداد الإصلاحي”، فإنه يدفع البلاد تدريجياً نحو احتقان مزمن قد ينفجر في أي لحظة خارج السيطرة.
- المعضلة لم تعد فيمن سيجلس على العرش غداً، بل في قدرة هذا العرش على البقاء في عالم تتهاوى فيه الأنظمة التي تنفصل كلياً عن نبض شعوبها.
ختاماً
إن أوراق اللعبة القديمة تتساقط واحدة تلو الأخرى في المغرب. وحين يحاول القصر إعادة إنتاج سيناريوهات القديمة لفرض أمر واقع جديد، فإنه يراهن على ذاكرة شعبية بدأت تتطهر من أوهام الخضوع المطلق. التغيير القادم لن تصنعه كواليس القصور، بل سيفرضه حتماً واقع مأزوم لم يعد يحتمل مزيداً من الترقيع. فهل يدرك صناع القرار في الرباط خطورة اللحظة قبل أن يغرق المركب بمن فيه؟



إرسال التعليق