فيزياء السماء وسقوط المشرك.. قراءة إيمانية في إعجاز الآية الكونية
سليمان زكريا
حين نتأمل كتاب الله عز وجل، فإننا غالباً ما نقرأ الآيات بأعيننا المجردة، متجاوزين أحياناً تلك العوالم الفيزيائية والدلالية العميقة التي صاغها الخالق بدقة مذهلة. لنتأمل معاً هذه الآية المرعبة التي نمر عليها غالباً بسرعة:
﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ [الحج: 31]
لماذا لم يقل الله -عز وجل- ومن يشرك بالله فكأنما سقط على الأرض وانتهى الأمر؟ ولماذا صيغت هذه الرحلة في أربع مراحل متتالية من العذاب: خر من السماء، تخطفه الطير، تهوي به الريح، في مكان سحيق؟
السر هنا ليس مجرد تشبيه أدبي بليغ، بل هو وصف فيزيائي ودقيق لحالة الإنسان حين يتخلى عن مرساة التوحيد.
أولاً: خرافة السقوط العادي.. معنى كلمة ﴿ خَرَّ ﴾ وفيزياء السقوط الحر
في اللغة العربية، كلمة ﴿ خَرَّ ﴾ لا تعني مجرد السقوط العادي، بل هي السقوط العمودي المفاجئ بلا تحكم، سقوط من لا يملك جناحاً ولا حبلاً ينقذه. والمشرك عندما يترك التوحيد، هو حرفياً يقطع الحبل الوحيد الذي كان يمسكه في السماء، فيخر.
هذه الظاهرة تطابق تماماً ما يطلق عليه علماء الفضاء اليوم مصطلح السقوط الحر (Free Fall)؛ إذ تشير الدراسات الفيزيائية إلى أن الإنسان الذي يسقط من طبقات الجو العليا يصل إلى سرعة مذهلة تقدر بنحو 195 كيلومتر في الساعة بعد 12 ثانية فقط، يفقد خلالها السيطرة تماماً ويستحيل عليه إيقاف نفسه مهما حاول.
ثانياً: ﴿ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ ﴾.. طيور الجارحة والشياطين المعاصرة
ثم تتواصل الرحلة المرعبة بقوله تعالى: ﴿ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ ﴾. لماذا الطير تحديداً؟ لأن الساقط بهذه السرعة الفائقة يستقبله في طبقات الجو أولاً الطير الجارح، كالصقر أو النسر. والمعروف علمياً أن النسر يرى فريسته من مسافة تصل إلى خمسة كيلومترات ليقضّ عليها بسرعة هائلة تصل إلى 300 كيلومتر في الساعة، ممزقاً إياها في الهواء قبل حتى أن تلامس الأرض.
هكذا تماماً تفعل الشياطين بالإنسان؛ فهي لا تنتظر حتى يصل المشرك إلى جهنم، بل تخطف قلبه وروحه وهو لا يزال في الدنيا، ممزقة إياه بالوساوس، والقلق المستمر، والاكتئاب المزمن.
ثالثاً: رياح القص التدميرية ﴿ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾
وإذا افترضنا أن الساقط نجا من خطف الطير، تأتي المرحلة الأشد خطورة، وهي الريح. والريح هنا ليست نسيمًا عليلاً، بل هي ما اكتشفه علماء وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا” حديثاً وأطلقوا عليها اسم رياح القص (Wind Shear)؛ وهي رياح عمودية عنيفة تهوي بالطائرات وهي في كبد السماء فترميها في مكان سحيق مجهول.
المشرك هنا يشبه تماماً تلك الطائرة التائهة، بلا بوصلة، يتقلب كل يوم في عقيدة جديدة، تائهاً في مكان سحيق من الضياع والحيرة الفكرية والنفسية.
ختاماً: التوحيد هو الجاذبية الحقيقية
والدليل على هذا الارتباط البديع أن الله تعالى استهل الآية بقوله: ﴿ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ﴾ [الحج: 31]. فالحنيف هو المائل عن الباطل إلى الحق، كأنه إنسان متمسك بحبل أمان، فإذا أشرك انقطع الحبل فوقع في الهاوية.
التوحيد في حقيقته هو الجاذبية الروحية الوحيدة التي تمسك الإنسان في السماء، فإذا تخلى عنها وتركها أصبح بلا وزن ولا سند، فخرّ صريعاً. وتلك هي الخدعة الكبرى التي نعيشها اليوم؛ إذ يظن الكثيرون أن الشرك مقتصر على السجو د لصنم، غافلين عن أن تعلق القلب المفرط برزق، أو بمدير، أو بطبيب، واعتقاد أنهم هم الرازقون والشافون، هو بحد ذاته “خرور” من السماء وأنت لا تدري، لتخطفك بعدها طيور الخوف والقلق على المستقبل.
لذلك ختم الله الآية بالمكان السحيق، لأن نهاية الشرك ليست مجرد سقوط عادي، بل هي هوة سحيقة بلا قاع. ونحن لسنا بحاجة ماسة لكل هذه الاكتشافات العلمية لنؤمن بالله، لكنها نافذة نور نقرب بها الصورة إلى القلوب، لنرى أن ما خطه القرآن الكريم قبل ألف وأربعمائة سنة يراه رواد الفضاء اليوم رأي العين حرفاً بحرف!



إرسال التعليق