اخر الاخبار

عندما يصاب الجنون بالعبقرية.. ماذا لو وضع مورينيو فينيسيوس في اليمين؟

بهلول يوسف

قد يبدو الطرح للوهلة الأولى أشبه بنكتة كروية سمجة، أو بفكرة شيطانية ولدت في أروقة العبث لتستفز عشاق كرة القدم وتصيب أنصار المدافعين بالذهول. فأن نتحدث عن مهاجم بحجم البرازيلي فينيسيوس جونيور—ذلك الإعصار الذي لا يهدأ على الجناح الأيسر والذي يحرق الأخضر واليابس بانطلاقاته المعهودة—ثم نقترح نقله إلى الرواق الأيمن، فهذا يبدو كمن يطلب من رائد فضاء أن يقود جراراً زراعياً في حقل قروي ضيق.

لكن، بعيداً عن السطحية المطلقة للوهلة الأولى، ووفقاً لأدبيات علم النفس الرياضي ونظريات إعادة الإعمار العصبي للاعبين، فإن اللحظات التي يصيب فيها الركودُ النجمَ، ويفقد فيها قدرته على فهم طلاسم الرقابة اللصيقة المفروضة عليه، تتطلب شيئاً واحداً لا مفر منه: كسر الروتين التكتيكي تماماً عن طريق هدم المألوف!

أولاً: فخ الاعتياد.. حين يفقد “الرواق الأيسر” سحره

يعيش فينيسيوس جونيور لسنوات طويلة تحت عباءة مركز واحد ورسم تكتيكي محفوظ عن ظهر قلب؛ فهو يبدأ هجماته من اليسار، يدخل إلى العمق، ويطلق تسديدته المقوسة الشهيرة نحو الزاوية البعيدة. لكن في علم النفس الرياضي، حين يستهلك اللاعب آلاف الساعات في الأداء بنفس النسق وبنفس زوايا الرؤية، تدخل الدوائر العصبية المسؤولة عن الانتباه والتجدد في مرحلة “التخدير المنهجي”. المدافعون حفظوا خطواته، والخصوم ضيقوا عليه المساحات، وأصبح عقله الباطن يؤدي الحركات بشكل آلي مفارق لروح الإبداع. هنا بالضبط يولد “الجمود الكروي”.

ثانياً: شطحات مورينيو الكبرى.. أين تكمن الفلسفة؟

لو أتيح لجوزيه مورينيو—ذلك الداهية الذي لا يتردد في قلب الطاولة على الجميع، والذي طالما آمن بأن إخراج اللاعب من منطقة راحته هو أقصر الطرق لإيقاظ وحشه الداخلي—أن يشرف على هذه الفكرة، فلن يتردد ثانية واحدة في تجربتها ولو لشوط واحد. ماذا سيحدث لو وُضع فينيسيوس في اليمين؟

  • إجبار الدماغ على إعادة التعلم: على اليمين، لن يكون بمقدوره الاعتماد على حركاته الأوتوماتيكية المعتادة. سيضطر لاستخدام زوايا تمرير جديدة، وقراءة المساحات بعين مختلفة تماماً، مما يجبر خلايا الانتباه لديه على الاستيقاظ القسري.
  • صدمة الخصم التكتيكية: تخيل ظهيراً أيسر خصماً يقضي أسبوعاً كاملاً في دراسة كيفية إيقاف “فينيسيوس الأيسر”، ليجد أمامه فينيسيوس يهاجمه من الجهة العكسية تماماً، مسبباً ارتباكاً هيكلياً في المنظومة الدفاعية المنافسة.

ثالثاً: بين الجنون والعبقرية التكتيكية

بالطبع، سيخرج علينا المحللون التقليديون ليقولوا إن اللاعب يفقد نصف خطورته بعيداً عن قدمه اليسرى المفضلة، وأن اللعب بالقدم العكسية يتطلب مهاماً مركبة. لكنهم ينسون أن أعظم التحولات التاريخية في كرة القدم بدأت دائماً بأفكار “غبية” في ظاهرها، وعميقة في نتائجها.

إخراج اللاعب من “منطقة الراحة” (Comfort Zone) ليس مجرد رفاهية تدريبية، بل هو دواء مرّ يعيد ضبط بوصلة الشغف والتركيز.

لربما يظل هذا الطرح مجرد هذيان تكتيكي يجول في مخيلة باحث عن الإثارة، ولربما يرفض أي مدرب عاقل الإقدام عليه. لكن تذكروا جيداً: حين تصاب الآليات بالشلل، لا تنفع المهدئات، بل يفيد دائماً أن تقلب رقعة الشطرنج وتجبر اللاعبين على تعلم المشي من جديد. فما رايكم.. ألا يستحق الأمر مجرد المخاطرة؟

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك