أزمات أوروبا و أمريكا وصعود الفاشية: حين تأكل الرأسمالية أبناءها

بقلم: توماس بولوس (ركن التحليل الاستراتيجي والعسكري)

حين تهتز قواعد النظام الاقتصادي والاجتماعي في معاقل الليبرالية الكلاسيكية، لا تتأخر التداعيات السياسية عن الظهور. فالعالم الغربي اليوم—متمثلاً في القارة الأوروبية المأزومة والولايات المتحدة الأمريكية المنقسمة على ذاتها—لا يعاني مجرد تراجع عابر في معدلات النمو، بل يمر بمخاض حضوري عميق يعيد إنتاج أخطر أمراضه التاريخية. على وقع التضخم المزمن، وتآكل الطبقة الوسطى، وأزمة الهوية والنزوح، يعود شبح اليمين الفاشي والشعبوي ليطرق أبواب السلطة من جديد، محMلاً بغضب الملايين وبخطاب الإقصاء والكراهية.

أولاً: أسباب الانهيار.. التآكل الداخلي لليبرالية الغربية

لم يصعد اليمين المتطرف صدفة، ولم يتسلل إلى عقول الناخبين عبر الفراغ، بل وُهّدت له الطرق بفضل سياسات الإخفاق المتراكمة للأنظمة الحاكمة خلال العقدين الأخيرين:

  • تصدع الطبقة الوسطى: أدت سياسات العولمة الاقتصادية، ونقل المصانع نحو آسيا، وتركيز الثروة في أيدي احتكارات التكنولوجيا والمال، إلى سحق الطبقة الوسطى التي كانت تشكل صمام الأمان للاستقرار الديمقراطي في الغرب.
  • أزمة الهوية والحدود: تزامنت الأزمات الاقتصادية مع موجات الهجرة الكبرى واللجوء الناتجة عن حروب الشرق الأوسط وإفريقيا، مما غذّى مخاوف المجتمعات المحلية من “ذوبان الهوية الثقافية والديموغرافية”، وهي ورقة لعب عليها الشعبويون ببراعة مطلقة.
  • فقدان الثقة في المؤسسات: تحولت النخب السياسية التقليدية في بروكسل وواشنطن في نظر المواطن العادي إلى طبقة تكنوقراطية منفصلة عن الواقع، لا تهتم سوى بحسابات المصارف الكبرى والشركات العابرة للقارات.

ثانياً: صعود اليمين الفاشي.. من الهامش إلى قاعة الحكم

لم يعد اليمين المتطرف مجرد أصوات احتجاجية صاخبة في الهامش السياسي، بل أصبح قوة انتخابية ضاربة تقود حكومات، وتؤثر في تشريعات البرلمانات الأوروبية الكبرى، وتهدد بتفكيك التحالفات التاريخية مثل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو من الداخل.

  • يتميز الخطاب الفاشي الجديد بقدرته الفائقة على توجيه الغضب الشعبي نحو “عدو سهل وملموس”: المهاجر، الأجنبي، أو البيروقراطي في بروكسل.
  • إنه يقدم حلولاً وهمية وبسيطة لمعقّدات جيو-اقتصادية هائلة، واعداً بإعادة إحياء “العصر الذهبي القومي” عبر بناء الجدران، وإغلاق الحدود، ورفض التضامن الدولي.

هذا التحول الفكري والسياسي يعيد للأبد ذكريات حقبة الثلاثينيات السوداء في القارة الأوروبية، حين وجدت المجتمعات المأزومة ضالتها في الزعامات الشعبوية القوية.

ثالثاً: التداعيات الجيوسياسية.. عالم غربي منقسم على ذاته

إن صعود الفاشية واليمين الشعبوي في الغرب لا يمثل شأناً داخلياً بحتاً، بل له انعكاسات استراتيجية مدمرة على النظام الدولي:

  • تآكل التحالفات الكبرى: الأجندات القومية المتطرفة (مثل شعار أمريكا أولاً أو القوميات الأوروبية المنعزلة) تضعف من تماسك المعسكر الغربي في مواجهة قوى كبرى منافسة تسعى لإعادة تشكيل العالم متعدد الأقطاب.
  • مأزق الديمقراطية الليبرالية: حين تصبح الأنظمة الغربية عاجزة عن تقديم حلول حقيقية لمشاكل شعوبها، وتلجأ للحلول الأمنية والعنصرية، فإنها تفقد أخلاقياً صفتها كـ “مدافع عالمي عن الحريات وحقوق الإنسان”، وتتحول تدريجياً إلى أنظمة سلطوية مقنعة بغطاء انتخابي.

تشتعل أوروبا وأمريكا من الداخل لا بسبب صواريخ الأعداء الخارجيين، بل بفعل التناقضات العميقة داخل بنيتهما الاقتصادية والسياسية. وحين يُغلق باب العقل وتفتح أبواب الخوف والتعصب القومي، يصبح التاريخ مستعداً لإعادة كتابة فصوله الأكثر دموية. إن أزمة اليمين الفاشي ليست سوى مرآة فاضحة لسقوط القيم التي تأسس عليها الغرب الحديث؛ فإما أن يُعيد هذا العالم اكتشاف بوصلة العدالة الاجتماعية، أو يغرق نهائياً في طوفان العصبيات المدمرة!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك