أسطورة الحافلة رقم سبعة.. كيف دمرت فتاة العباءة السوداء مستقبلي العاطفي!

الدكتور عزام مالك

اعلموا تماماً أنني لست من عشاق القصص الرومانسية الهابطة، ولا أؤمن بالحب من النظرة الأولى الذي يغني فيه عبد الحليم حافظ وتبكي معه جارتنا أم صابر. كنت دائماً أؤمن أن العواطف الإنسانية ليست سوى تفاعلات كيميائية هرمونية زائفة تهدف لتعطيل الإنسان عن دفع فواتير الغاز. غير أن حدثاً درامياً فريداً وقع معي قبل سنوات، وتحديداً في حافلة قروية قديمة لولا أن الله نجاني منها لصرت اليوم شاعراً هائماً على وجهي في الطرقات.

قصتي باختصار: فتاة جميلة ترتدي عباءة سوداء.. التقيتها مرة واحدة، وعشنا معاً أسعد ساعتين في الحياة، ولم ألتقِ بها أبداً بعدها!

كابوس الحافلة القروية (رائحة البنزين والقدر الأعمى)

كان ذلك صباح يوم نَحِس، ركبت فيه حافلة قروية قديمة تصدر أصواتاً تشبه احتضار ديناصور أرجنتيني. الكراسي ممزقة، والنوافذ لا تفتح إلا بمفك براغي، والروائح داخل الحافلة مزيج عتيق من الديزل والبصل وصدأ الحديد. كنت جالساً أتأمل بؤسي، وفجأة، صعدت هي!

كانت ترتدي عباءة سوداء قاتمة، لكنها كانت تبدو وكأنها هبطت بالخطأ من مجلة موضة باريسية إلى داخل علبة سردين متحركة. جلست بجانبي لأن الكرسي الوحيد الشاغر كان يقع بجوار كتفي المهترئ. وحين التقت عيناها بعيني، حدث التماس كهربائي في خلايا مخّي البائس.

ساعتان من الوهم المطلق (أفضل معدل عائد على الاستثمار العاطفي)

بدأت الرحلة، وبدأت معها ملحمة رومانسية لم تكن في الحسبان. لم تكن مجرد صدفة عابرة؛ لقد تحدثنا عن عبثية الوجود، وسوء حظنا في هذه القرية، واستحالة شراء شقة في هذا العصر، وضحكنا على كل تفاصيل البؤس المحيط بنا. كانت الساعتان اللتان استغرقتها رحلة الحافلة الملعونة أطول وأسعد ساعتين عشتهما في حياتي القذرة. شعرت لبرهة أنني لست ذلك الشخص الذي يبحث عن رصيد لبطاقة الهاتف، بل لؤلؤة تتوسط تاج الإمبراطورية العثمانية. نسيت الفواتير، ونسيت غلاء البصل، ونسيت حتى محطتي المقصودة.

الاختفاء الهوليودي.. الفتاة التي ابتلعتها الأرض

وحين وصلت الحافلة إلى محطتها الأخيرة في تلك الليلة المظلمة، نهضت بخفة عصفور، وقالت لي بابتسامة ساحرة: “كانت رحلة ممتعة.. إلى اللقاء!”. ونزلت من الباب الخلفي لتختفي في عتمة الأزقة كأنها لم تكن سوى هلوسة بصرية سببها استنشاق دخان العادم داخل الحافلة.

نزلت بعدها بثوانٍ أهرول كالـمجنون في الشوارع المظلمة أبحث عنها بين المارة، لكن الأرض انشقست وأبلعتها. ومنذ ذلك اليَوْم، مرّت سنوات طويلة، ولم ألتقِ بها أبداً!

لقد تركتني تلك الساعتان العابرتان محطماً عاطفياً؛ فأنا عاجز اليوم عن الارتباط بأي امرأة عادية لأنني أقارنهما دائماً بتلك الفتاة التي ظهرت في حافلة خردة، وعاشرتني ساعتين ثم تبخرت. لا سامح الله تلك الحافلة، ولا سامح الله تلك العباءة السوداء التي دمرت ما تبقى من استقراري النفسي!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك