بيكاسو… ريشة ثورية تنحاز إلى الشعوب!
حسيبة بربور
حين يقترن الفن بالإنسانية، تتهاوى الأسوار الفاصلة بين اللوحة وساحة النضال. ولعل الفنان الإسباني العبقري بابلو بيكاسو يمثل النموذج الأرقى للفنان الذي لم يرضَ أن يعيش في برج عاجي من الألوان والزخارف، بل اختار أن يجعل من فرشاته منبرًا للثورة وصوتًا لمن لا صوت له، مسخّرًا عبقريته الفنية لمقاومة الفاشية والوقوف بحزم إلى جانب الشعوب المضطهدة.
أولاً: صرخة “غورنيكا”.. عندما تصبح اللوحة سلاحًا
لم يكن بيكاسو رسامًا تقليديًا يكتفي بملء المساحات البيضاء بالجمال البصري، بل كان مفكرًا مشتبكًا بقضايا عصره. وتظل لوحته الخالدة “غورنيكا” الشاهد الأكبر على هذا الانحياز الجذري للإنسان.
حين غطت طائرات الفاشية سماء بلدة “غورنيكا” الباسكية بوابل من القنابل المدمرة بدعم من فرانكو وهتلر وموسوليني، لم يصمت بيكاسو أمام هذه المأساة الدموية. لقد استحال القماش الأبيض أمامه إلى مرآة تعكس أهوال الحرب، وصرخة مدوية تفضح بشاعة الفاشية والنازية. عبر تشريح الأجساد، وصرخات الأمهات الثكالى، ورؤوس الثيران الممزقة، لم يوثق بيكاسو مجزرة عابرة، بل رسم الخراب الأبدي الذي يخلفه الطغاة، لتصبح “غورنيكا” ضميرًا عالميًا عابرًا للزمن والأمكنة.
ثانياً: الفن في خدمة العدالة.. الرفض الأبدي للطغيان
لم تقتصر مواقف بيكاسو الثورية على لوحة واحدة، بل امتدت لتشمل التزامه السياسي والفكري الواضح طوال مسيرته. لقد أدرك مبكرًا أن الفنان الحقيقي لا يمكنه أن يكون محايدًا في معركة الحرية ضد الاستبداد.
- الرفض القاطع لديكتاتورية فرانكو: رفض بيكاسو العودة إلى إسبانيا طالما ظل نظام الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو جاثمًا على صدر وطنه، مفضلًا المنفى الاختياري على المساومة السياسية أو الصمت المطبق.
- الانحياز للطبقات الكادحة والمنسيين: من خلال أعماله المبكرة (كالالفترتين الزرقاء والوردية) وصولاً إلى نضجه الفني، كانت ريشة بيكاسو تميل دائمًا لالتقاط ملامح المهمشين، والفقراء، والهاربين من جحيم الحروب، مانحًا إياهم كرامة البقاء الخالد في الذاكرة الإنسانية.
ختاماً.. إرث فنان اختار صف الشعوب
لقد علمنا بيكاسو أن الفن ليس ترفًا بصريًا، بل هو موقف أخلاقي وإنساني بامتياز. لقد رحل الجسد وبقيت الريشة، وظلت أعماله الخالدة تذكيرًا دائمًا بأن الإبداع الحقيقي يستمد قيمته من مدى ارتباطه بقضايا الإنسان وحريته.
ستبقى ملحمة بيكاسو الفنية شاهدة على أن القوة الحقيقية للفن تكمن في قدرته على إسقاط عروش الطغاة، والانحياز الأبدي إلى نبض الشعوب وتطلعاتها نحو العدالة والحرية!



إرسال التعليق