الشتائم في السياسة
عباس عز الدين
السبّ في خطابات السياسة: حين يتحول السباب إلى دليل على الإفلاس الفكري.. الرؤساء الأمريكيون نموذجاً
في المحافل السياسية والمناظرات العامة، تشكل الكلمة الرصينة والحجة البالغة خط الدفاع الأول والأساسي لأي مشروع فكري أو برنامج حزبي. الكلمة هي الأداة التي يقنع بها السياسي جمهوره، ويُفند بها حجج خصومه، ويُقدم من خلالها رؤيته لإدارة الشأن العام. لكن عندما يتراجع التحليل الموضوعي، وتغيب الأرقام، وتختفي البرامج البديلة، يظهر بديل سريع وبائس في الخطاب السياسي: لغة الشتائم والتهجم الشخصي.
ولعل البيت الأبيض والتاريخ الرئاسي الأمريكي، بكل ما يحمله من بهرجة ديمقراطية، يقدم لنا النماذج الأبرز والأكثر إثارة للجدل لهذه الممارسة؛ حيث جعل العديد من رؤساء الولايات المتحدة من الإهانة الشخصية والتراشق اللفظي استراتيجية سياسية للهروب من تقديم نقد عملي وموضوعي لخصومهم.
تاريخ ممتد من السباب.. من التأسيس إلى العصر الحديث
يظن البعض أن ظاهرة الشتائم السياسية في أمريكا هي وليدة مواقع التواصل الاجتماعي فقط، لكن التاريخ يخبرنا بأن السباب كان دائماً ملجأ الرؤساء عند الإفلاس الفكري:
- جون أدمز وتوماس جيفرسون (1800): شهدت المعركة الانتخابية بينهما انحطاطاً لفظياً تاريخياً؛ حيث وصف معسكر أدمز خصمه جيفرسون بأنه “ابن امرأة زرقاء من الهنود الحمر”، بينما رد معسكر جيفرسون بنعت أدمز بأنه “كائن خنثى كريه لا يملك رجالاً ولا إرادة”.
- أندرو جاكسون (1828): لم يتوانَ عن استخدام القذف المباشر والاتهامات الأخلاقية ضد خصومه ورجال المؤتمر الوطني، محولاً الخطاب الرئاسي إلى مناوشات بين أرباب السوابق.
- دونالد ترامب (النموذج الفاقع): نقل التراشق اللفظي من الغرف المغلقة إلى العلن والتلفزيون ومواقع التواصل، مبتكراً قائمة ألقاب شائنة لمنافسيه (مثل “Crooked Hillary”، و*”Sleepy Joe”، و“Little Marco”*).
هروب من المواجهة البرامجية وتحديد “الألقاب الساخرة”
عندما يقدم الخصم السياسي نقدًا عمليًا للميزانية، أو للسياسات الخارجية، أو للأداء الاقتصادي، فإن الرد المنطقي يستدعي تقديم بيانات وحلول بديلة.
أما حين يعجز الرئيس أو المرشح عن الرد بالمنطق والأرقام، فإنه يحول الصراع من “صراع أفكار ورؤى” إلى “سجال شخصي ورخيص”. تجسد هذا السلوك بوضوح في طريقة إدارة ترامب وقبله رؤساء آخرين لمعاركهم؛ فحين يتعرضون لضغوط تكتيكية، يتفادون النقاش الفكري ويلجأون فوراً إلى السخرية من الهيئة، أو القدرات العقلية، أو الأصول العائلية للخصم.
إن الشتيمة في هذه الحالة ليست سوى دخان كثيف يُراد به تغطية الفراغ البرامجي؛ فالسياسي الذي يملك حججاً قوية وإنجازات حقيقية لا يحتاج إلى رفع صوته أو نعت منافسيه بأبشع الأوصاف.
استمالة غرائز الجماهير ومسرحة السياسة
تعتمد السياسة الناضجة على مخاطبة الوعي والعقل الجمعي لبناء دولة المؤسسات. في المقابل، تُعتبر الشتائم والخطابات التحريضية أداة كلاسيكية للسياسيين الشعبويين الذين يستهدفون الانفعالات العاطفية السريعة والغرائز البدائية للمجتمع.
نجح العديد من رؤساء أمريكا في تحويل الخطاب السياسي من نقاش مؤسساتي جاد إلى “عرض استعراضي” يُرضي شغف الجمهور بالإثارة. الهدف من الشتيمة هنا هو إيجاد “عدو وهمي” وشيطنته أمام الرأي العام، لإلهاء الشارع عن القضايا الحقيقية والمعقدة؛ فالجمهور ينشغل بالملاسنات الإعلامية والتصريحات الصادمة، في حين تُمرر القرارات الحاسمة بعيداً عن الرقابة النقدية الجادة.
انحطاط الثقافة السياسية وتسميم الفضاء العام
إن انزلاق الخطاب السياسي في هرم السلطة الأمريكية إلى القاع اللفظي يمتد أثره لتسميم البيئة الديمقراطية العالمية برمتها:
- تزهيد المواطنين في العمل السياسي: عندما يتحول التنافس على قيادة أقوى دولة في العالم إلى شجار للشتائم والتلاوم الشخصي، يفقد المواطن الثقة في المؤسسات والسياسيين، ويقتنع بأن السياسة مجرد مسرح عبثي.
- تغذية الاستقطاب المجتمعي: الشتيمة الصادرة من أعلى رأس في السلطة تغلق أبواب التفاهم، وتتحول إلى ضوء أخضر للأنصار لممارسة العنف اللفظي والجسدي ضد الخصوم.
إن التاريخ السياسي أثبت دائماً أن أكثر القادة تأثيراً وبقاءً في ذاكرة الشعوب هم أولئك الذين خاضوا معاركهم السياسية بشرف، واستخدموا الكلمة الرصينة والنقد البنّاء لإقناع مريديهم وتفنيد ادعاءات خصومهم.
أما الاعتماد على الشتيمة والسباب والتهجم الشخصي — كما رأينا في محطات عديدة من تاريخ الرئاسة الأمريكية — فليس سوى دليل على عجز صاحبها عن تقديم نقد عملي، وتغطية مكشوفة على قلة الحيلة الفكرية أمام الخصوم السياسيين.



إرسال التعليق