كيف أصبحت شريراً بعد سن الثلاثين بضمان وكفالة!)
هناء حلمي
أيها السادة، يا من تبحثون عن الملائكة في زمن “الشياطين الطيبة”، تعالوا اجلسوا قربي وامنحوني دقائق من أعماركم المهدرة. اليوم سأفتح لكم قلبي، أو بالأحرى، سأكشف لكم عن “المقبرة الجماعية” التي دفنت فيها كل شعارات الطيبة والمثالية والتضحية التي ربتني عليها عمتي صابرين وكتب القراءة للعام الدراسي 1995.
سؤال يتردد في ذهني كل صباح وأنا أنظر في المرآة وأتناول فنجان قهوتي المر: لماذا ساءت أخلاقي؟
متى تحولتُ من ذلك الكائن اللطيف، الذي يبتسم في وجه من يدوس على قدمه في الشارع، ويبرر للمدير قلة أدبه بأنه “أكيد يمر بظروف منزلية صعبة”، إلى كائن حاد البصر والبصيرة، يمتلك نظرة واحدة كفيلة بأن تجمد الدم في عروق أعتى المتذاكين؟
رحلة السقوط العظيم نحو الوعي!
في الواقع، بعد مراجعة دقيقة لتاريخي المهني والعاطفي والاجتماعي، اكتشفت أن “سسوء الأخلاق” الذي يتحدث عنه المحيطون بي ليس سوى عملية “ترقية دفاعية”. نعم، يا أصدقائي، الطيبة الزائدة والمجاملة المستمرة على حساب الأعصاب ليست من الأخلاق في شيء؛ بل هي نوع من أنواع “الانتحار ببطء مع ترتيل الأناشيد الوطنية”.
تعالوا أعدكم بأسباب هذا التدهور الأخلاقي المحمود جداً:
- ضريبة الاستغلال: عندما كنت أرد على كل اتصال في منتصف الليل لأن أحدهم “شعر بالملل”، كان يُنظر إليّ على أنني إنسان ودود. وعندما توقفت عن الرد ووضعت هاتفي على الصامت، أصبحت في نظرهم “إنساناً متعجرفاً وسيئ الأخلاق”. إذن، سوء الأخلاق يبدأ دائماً عندما تقرر أن تحترم نفسك لأول مرة!
- اكتشاف “الخريطة الداخلية”: كما تحدثنا سابقاً، عندما تمنح الآخرين خريطة أسرارك ونقاط ضعفك، فإنك لا تقيم علاقة إنسانية راقية، بل تفتح لهم “محل تسوق مجاني” لشتائمك وجرح مشاعرك. فلماذا أغضب عندما يستغلون ما أعطيتهم إياه بيدي؟ لقد تحولت إلى شخص سيء أخلاقياً بنظرهم فقط لأنني أغلقت دكان التسهيلات المجانية.
- وفاة المفعول به: أدركت مؤخراً أن عبارة “المؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين” ليست نصيحة دينية فحسب، بل هي قانون فيزيائي بحت. لكن الناس يترجمون التمسك بهذا القانون على أنه “قسوة قلب”. يا عيني.. هل تريدون أن أبقى لدغاتي المجانية مفتوحة 24 ساعة لكي تحبوني؟ عذراً، لقد أغلقنا المحل والصيانة مستمرة حتى إشعار آخر.
لذلك، يا سادة، إن كان سوء الأخلاق يعني أنني أصبحت أقول “لا” بلا مبررات طويلة، وألا أعتذر عن عدم الاهتمام بمشاكل الآخرين التافهة، وألا أتردد في إغلاق الأبواب في وجه من يحاول استغلال طيبتي.. فليعلم القاصي والداني أنني حاصلة وبجدارة على الدكتوراه الفخرية في “سوء الأخلاق الواعي”!
ارتاحوا واستريحوا؛ فالعالم لا يحترم إلا من يملك أنابيب أكسجين خاصة به، أما الطيبون المساكين الذين يوزعون قلوبهم كالصدقات على باب المسجد.. فمصيرهم معروف في كتب التاريخ والدراما الواقعية. عيشوا بسلام، وقليل من قلة الأدب المحسوبة.. تصبحون على ألف خير!



إرسال التعليق