قبائل وأعراش مستغانم: الجذور التاريخية والامتداد المجالي
د. علي بوجابر
تُعد مستغانم (الجوهرة الساحلية للغرب الجزائري) واحدة من أقوى الحواضن التاريخية التي تزاوج بين عبق الساحل (خليج أرزيو وسواحل الظهرة) وخصوبة السهول (سهل الستيديا وغريس) وامتداد السهوب والتل. نظراً لموقعها الفريد بين وهران، وشلف، ومعسكر، وتيارت، شكلت مستغانم ملتقى لطرق التجارة ومهداً لقبائل وعروش عريقة تركت بصمات لا تمحى في تاريخ المنطقة.
يتناول هذا المقال تفصيل أبرز القبائل والأعراش التي استوطنت إقليم مستغانم ومحيطه التاريخي.
1. الإطار التاريخي والعمق البشري
مرت ولاية مستغانم بمحطات ديموغرافية كبرى صاغت هويتها السكانية:
- الأصول الأمازيغية القديمة: كانت المنطقة جزءاً من مجالات نفوذ بطون زناتة ومغراوة التي استقرت في الغرب والوسط الجزائري، واستفادت من موانئها وسهولها الزراعية.
- الهجرات العربية (الهلالية والمعقلية): شهدت سهول مستغانم (لا سيما تخوم الظهرة وسهل مستغانم) توافداً كثيفاً لبطون عربية عريقة نزحت خلال العصور الوسطى، فامتزجت بالعنصر المحلي وأنشأت تحالفات قبلية قوية فرضت استقرارها ونظمها الاجتماعية.
2. أبرز العروش والقبائل في إقليم مستغانم
تتوزع في ولاية مستغانم ومختلف بلدياتها شبكة واسعة من الأعراش والقبائل التي تشكل النسيج الأساسي لأهل المنطقة، ومنها:
- قبائل الظهرة ومستغانم الساحلية والشمالية: تنتشر في السلسلة الجبلية للظهرة والمناطق المتاحمة للساحل عروش وعشائر عريقة عُرفت بالتمسك بالأرض ومقاومة الغزاة، ولعبت دوراً كبيراً في حماية الممرات والمسالك البحرية والبرية.
- أعراش السهول والفلاحة (سهل مستغانم وسرّات): تتميز المناطق الداخلية والسهلية بوجود عروش كبرى امتهنت الزراعة واستصلاح الأراضي، واشتهرت بإنتاجها الوفير وكرم ضيافتها، وهي تمتد في تداخل وثيق مع تخوم ولايتي معسكر وغليزان.
- البطون والقبائل المرتبطة بالزوايا والتاريخ الديني: تضم مستغانم عروشاً وعائلات عريقة ارتبطت تاريخياً بالعلم والقرآن والتصوف، واحتضنت عديداً من الزوايا التي كانت منارات للعلم وفض النزاعات وإصلاح ذات البين (مثل الطريقة البودشيشية أو السنوسية أو الزوايا المحلية المنتشرة في الظهرة وتماسين).
3. الخصائص الثقافية والاجتماعية لسكان مستغانم
تميز أهل مستغانم بخصائص مجتمعية فريدة تجمع بين هدوء الساحل وصلابة البادية:
- الفن الشعبي والمداحات والشعر الملحون: تُعد مستغانم عاصمة من عواصم الشعر الملحون والفن الشعبي الأصيل في الجزائر (موطن عمالقة الشعر والأغنية البدوية والقصائد الدينية كالقيو والمديح).
- الفروسية (البارود): كباقي مناطق الغرب الجزائري، تحافظ عروش مستغانم على تقاليد “الفنتازيا” وعروض الفرسان في الوعدات والاحتفالات الموسمية، تعبيراً عن الفخر والاعتزاز بالهوية.
- الجهاد والمقاومة: شارك أبناء عروش مستغانم ببسالة في الثورات الشعبية ضد الاستعمار الفرنسي، وكانوا سنداً قوياً لدولة الأمير عبد القادر نظراً لقرب الإقليم من مراكز التأثير العسكري في الغرب.
خاتمة
تشكل قبائل وعروش مستغانم لوحة متناغمة من التلاحم البشري الذي يجمع بين أصالة الأمازيغ وعروبة الهجرات التاريخية وبصمة الأندلسيين. هذا التنوع الإنساني والحضاري هو الذي منح مستغانم مكانتها المرموقة كأرض للعلم، والفن، والكرم، والصمود عبر التاريخ.


إرسال التعليق