الفجوة الزمنية للفقراء.. حين يُحاسب البائسون على ساعات العُمر
عباس عز الدين
نحن نعيش في عالم يقدس السرعة، حيث يُقاس النجاح بمعادلة الوقت ورأس المال. غير أن مقياس الزمن يختلف جذرياً باختلاف الطبقات الاجتماعية. فبينما يملك الأثرياء رفاهية “إدارة الوقت” استثمارياً وترفيهياً، يقع الفقراء رهائن في أسر ما يمكن اصطلاحه بـ “الفجوة الزمنية للفقراء”؛ تلك الهوة السحيقة التي لا تسرق المال فحسب، بل تلتهم ساعات الحياة وأعمار الكادحين ببطء وقسوة.
فما الذي تعنيه حقاً تلك الفجوة الزمنية التي يجهلها المترفون؟ وكيف يتحول الوقت بالنسبة للفقير من نعمة إلى عبء استنزافي دائم؟
1. ضريبة المواصلات وسرقة الأمكنة
أولى تجليات الفجوة الزمنية تبدأ مع شروق الشمس، حيث يضطر البسيط، لعدم قدرته على السكن بالقرب من مراكز العمل الحضرية، إلى قطن أطراف المدن والعشوائيات. هنا تبدأ رحلة العذاب اليومية في وسائل النقل المكتظة، ليقضي العامل ساعات طوال ذهاباً وإياباً محشوراً في زحام الطرقات. هذه الساعات المهدرة يومياً—والتي تُقَدَّر بساعات من عمر الإنسان—ليست مجرد وقت ضائع، بل هي اقتطاع قسري من رصيد الراحة، والتواصل الأسري، والتحصيل العلمي، مما يجعل يوم الفقير أطول شقاءً وأقصر فرحاً.
2. اقتصاد الحرمان واستهلاك اللحظة
في عالم الفقراء، لا توجد رفاهية التخطيط طويل الأمد. الفقر لا يقتصر على جيب فارغ، بل يفرض “حاضراً مستمراً” تبتلعه لقمة العيش اليومية. بينما يخطط الميسور لمستقبله الاستثماري بعد خمس سنوات، يستهلك الفقير كامل طاقته الزمنية في البحث عن مصدر رزق يومي بالكاد يسد رمق عائلته. هذا التركيز القسري على البقاء الفوري يخلق فجوة زمنية نفسية، تعجز فيها الأسر عن استشراف المستقبل أو الاستثمار في التعليم والتطوير، لأن كل ثانية مكرسة لمنع السقوط في الهاوية.
3. ثمن المرض والروتين الإداري
حين يمرض إنسان ميسور، فإن شراء العلاج وحجز المواعيد يتم في أجزاء من الثانية. أما في عالم الفقراء، فالمرض يلتهم أزماناً موازية؛ يقضي البسيط أياما وليالي طوال أمام طوابير المستشفيات العمومية المكتظة، أو في أروقة الإدارات بحثاً عن إعانة أو وثيقة. هنا يتضاعف الألم الجسدي بوجع استنزاف الوقت، حيث يتحول الزمن إلى جدار تكلّف الإطاحة به طاقة هائلة من الأعصاب والعمر.
خلاصة الوجع الزمني
إن معالجة الفوارق الاجتماعية لا يجب أن تقف عند حدود الدعم المالي المؤقت، بل تتطلب فهماً عميقاً لـ “العدالة الزمنية”. إن تمكين المهمشين لا يتحقق إلا بتقليص تلك الهوة الملعونة التي تجعل الفقير يدفع ثمن فقره من رصيد ساعاته وأيامه. فأن تسرق مال امرئ فهذا جرم، أما أن تسرق وقته المتبقي للحياة وتتركه رهينة لطاحونة البقاء، فتلك هي أقصى درجات الإجحاف في عالم يتسابق فيه الجميع نحو المستقبل.



إرسال التعليق