كيف استدرج يحي السنوار إمبراطورية العصر إلى الفخ الأبدي؟

اللواء متقاعد عبد الباقي جبير

في مراجع العلوم العسكرية الكلاسيكية، تُقاس قوة الجيوش بحجم ترسانتها، وبعدد دباباتها، وبتفوقها الجوي المطلق، وبمدى قدرتها على السيطرة المطلقة على الأرض والمجال الحيوي للخصم. طوال عقود، كانت العقيدة العسكرية الإسرائيلية، المدعومة بأحدث تكنولوجيا البنتاغون وأقمار الاستخبارات الصناعية، تتباهى بأنها القوة التي لا تُقهر، وأن “الردع” هو سور الصين العظيم الذي يحمي كياناً استيطانياً مدججاً بكل أسباب الهيمنة.

لكن في الفجر العاصف لذاك اليوم التاريخي، سقطت الأسطورة العسكرية الكبرى في اختبار الحقيقة. لم يكن ما حدث مجرد هجوم تكتيكي عابر، بل كان هندسة استراتيجية عبقرية لجرّ الغطرسة الإسرائيلية والدعم الأمريكي المطلق إلى فخ محكم لم تفقده تل أبيب توازنها فحسب، بل كشف عار الصهيونية أمام شعوب الأرض قاطبة. فكيف استطاع يحيى السنوار قلب الطاولة على العالم بأسره؟

أولاً: هندسة الفخ.. استدراج المارد إلى رمال غزة المتحركة

الدرس الأهم الذي تقدمه مدرسة المقاومة في معركة “طوفان الأقصى” يتلخص في فهم سيكولوجية الخصم المسكون بجنون العظمة:

  • أدرك العقل المدبر خلف الطوفان أن الكيان الصهيوني يعاني من صغط وجودي هائل، وأن عقيدته الأمنية تقوم على الردع المفرط والانتقام الأعمى.
  • تم استدراج نتنياهو وجيشه المترهل إلى فخ “التوغل البري” الموعود؛ حيث تتحول الترسانة التكنولوجية والعملاقة إلى عبء ثقيل في حرب شوارع وأنفاق لا تنتهي.
  • لقد ركضت القيادة الإسرائيلية بفرح غامر نحو الفخ، ظننة أن بإمكانها إبادة غزة في أيام معدودات، لتجد نفسها متورطة في حرب استنزاف طويلة ومكلفة، أفرغت مخازن ذخيرتها، وأرهقت اقتصادها، وأثبتت عجز جيشها عن تحقيق أي حسم حقيقي على الأرض.

ثانياً: سقوط القناع وانكشاف الحقيقة الصهيونية أمام العالم

لم تقتصر هزيمة الكيان على الميدان العسكري، بل وقعت الطامة الكبرى في الميدان الأخلاقي والإنساني العالمي:

  • لأول عقود طويلة، نجحت آلة الدعاية الصهيونية في تسويق نفسها للغرب باعتبارها “الواحة الديمقراطية الوحيدة في صحراء الشرق”، وتح “الضحية الأبدية” التي تحميها مظلومية التاريخ.
  • لكن الطوفان أجبر الاحتلال على كشف وجهه الحقيقي دون رتوش؛ مجازر مروعة على الهواء مباشرة، إبادة ممنهجة للأطفال والنساء، تجويع متعمد، وتدمير كامل للمستشفيات ودور العبادة.
  • هذا السقوط الأخلاقي المروع حطم الرواية الصهيونية التاريخية في عقر دارها الغربي، وأخرج ملايين الشباب في عواصم العالم (لندن، نيويورك، باريس، ومدن الجامعات الكبرى) ليهتفوا بسقوط الاحتلال، في انقلاب ثقافي وإعلامي لم تشهده القضية الفلسطينية منذ عقود.

ثالثاً: أمريكا في المصيدة.. التورط الإمبراطوروي

لم يسقط نتنياهو وحده في الفخ، بل جرر معه الحليف الأكبر والأمريكي المتمثل في الإدارة الأمريكية:

  • وجدت واشنطن نفسها مجبرة على إرسال حاملات الطائرات، وجسر هوائي مفتوح من السلاح والمال لحماية كيان يترنح.
  • هذا الدعم الأعمى كشف نفاق النظام الدولي ومؤسساته أمام شعوب الجنوب العالمي، وباتت الولايات المتحدة شريكاً مباشراً في جرائم الحرب، مما أضعف هيبتها الدولية، وأظهرها عاجزة عن ضبط حليف متطرف يعبث باستقرار المنطقة والعالم.

رابعاً: الخاسرون والرابحون في ميزان التاريخ الاستراتيجي

حين نضع أوزار الحرب في ميزان التاريخ العسكري والسياسي، تتضح الخريطة بجلاء:

  • الخاسر الأكبر: هو المشروع الصهيوني برمته، الذي فقد قوة ردعه، وتصدعت جبهته الداخلية، وسقطت شرعيته الأخلاقية أمام العالم، وبات يعيش هاجس الوجود أكثر من أي وقت مضى. ومعهم النظام الرسمي المتردد الذي رهان على بيع القضية.
  • الرابح الأكبر: هو الشعب الفلسطيني الذي أعاد إحياء قضيته من ركام النسيان، وأثبت أن إرادة المقاومة الصلبة قادرة على إسقاط أعتى جيوش الأرض، ليثبت أن الدم الفلسطيني الطاهر قد أعاد رسم خريطة الشرف والكرامة للأمة بأسرها.

خاتمة

إن ما صنعته عقلية يحيى السنوار في طوفان الأقصى يتجاوز حدود المعركة الميدانية؛ لقد كانت ضربة استراتيجية كبرى أطاحت بأعمدة الوهم الصهيوني، وأثبتت أن الجيوش الجبارة يمكن أن تهزمها إرادة شعب يرفض الركوع. لقد غيّر السنوار مسار التاريخ، وترك العدو الإسرائيلي حائراً بين هزيمة عسكرية على الأرض وانتحار أخلاقي أمام تاريخ البشرية!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك