تفكيك بنية العقل والسلطة والمجتمع
عباس عز الدين
حين نقف على تخوم الفكر العربي المعاصر، ونمتحن أدواتنا النقدية في تفكيك بنية الأزمات التي تطوقنا، نجد أنفسنا أمام إشكاليات لا تقف عند حدود السياسة الظاهرة ولا ترتهان لتفسيرات الاقتصاد السطحية. إن الأزمة أعمق وأغور؛ إنها أزمة “بنية وعي” تم تدجينها عبر قرون من الاستبداد، وإعادة إنتاج التخلف، والارتهان لثنائيات قاتلة بين الماضي المنمّق والحاضر المأزوم.
في هذا المقال النقدي الموسّع، أود أن أضع تحت المجهر تلك المفاصل الحية التي شكلت هواجس مشروعي الفكري والنقدي: بدءاً من تشريح سلطة النص والمقدس، مروراً بأمراض العقل السياسي والاجتماعي، وانتهاءً بتمحيص ذلك الوهم الكبير الذي يعبث بوعي الأفراد والجماعات تحت يافطة “الحداثة الشكلية” أو “الرأسمالية الوهمية”. إننا بحاجة إلى هدم المعبد القديم بأحجاره البالية، لا لشيء إلا لكي نؤسس لبيت ترتفع أسقفه على أرض صلبة من العقلانية النقدية والمواطنة الحرة.
أولاً: في نقد العقل السياسي.. من “الرعية” إلى عجز الدولة الوطنية
الخطيئة الكبرى التي رافقت مسار الكيانات السياسية في عالمنا العربي الحديث تكمن في عجزها البنيوي عن التحول من “إدارة الاستبداد التاريخي” إلى “بناء العقد الاجتماعي الحديث”.
- أوهام الشرعية الأبدية: لقد ورثت الدولة الوطنية بعد حقبة الاستقلال هياكل السلطة الإمبراطورية القديمة؛ حيث الحاكم ليس وكيلاً للمجتمع ومساءَلاً أمامه، بل هو “ولي الأمر المطلق” الذي تُستمد شرعيته إما من غلبة السيف، أو من إيديولوجية تعبوية لا تقبل النقاش. وحين يُختزل الوطن في شخص الزعيم أو في نخب أمنية وريعية، تصبح السياسة “حرباً صفرية”.
- التأسيس للعجز: إن غياب التداول السلمي الحقيقي للسلطة أنتج مجتمعات تعاني من الفصام السياسي؛ فهي إما منسحبة تماماً إلى كهوف العصبيات الفرعية (القبيلة، الطائفة، العرق)، وإما منخرطة في انتفاضات غاضبة وعفوية تفتقر إلى البرامج والأدوات، لتجهض سريعاً أو تُسرق من قِبل قوى الشد الخلفي. إن نقد العقل السياسي العربي يبدأ حتماً برفض تلك الثقافة التي تقدّم “الطاعة” على “المساءلة”، وترى في الاختلاف السياسي خيانة عظمى وفي المعارضة جريمة لا تُغتفر.
ثانياً: فخ المقدّس والمستبد.. الدين بين الروحاني والسياسي
واحدة من أشد معارك الفكر العربي تعقيداً هي تلك المتعلقة بوضع الدين في الحيز العام. لقد تعرض الدين لتجريف مزدوج:
- منهج الاستغلال السلطوي: استُخدم كأداة شرعنة في أيدي الأنظمة الأوتوقراطية التي ترفع الشعارات الدينية كلما هزّتها أزمات الشرعية،
- منهج التوظيف الإيديولوجي: واختُزل في مشاريع حركية وثيوقراطية تسعى لإقامة دولة تختزل التعددية الإنسانية في “نصوص جامدة” وتلغي السياسية لصالح الكهنوت.
التحليل النقدي العميق يفرض علينا الفصل الصارم بين “الدين بوصفه قيمة روحية وأخلاقية متعالية” تغذي ضمير الفرد وتسمو بأخلاقه، وبين “السياسة بوصفها فعلاً بشرياً مدنياً” خاضعاً للخطأ والصواب، والتفاوض، والمحاسبة. إن تحرير الدين من أسر الأيديولوجيات السياسية هو أولاً وقبل كل شيء حماية للدين نفسه من التدنيس في وحل الصراعات الحزبية والسلطوية، وهو في الوقت ذاته شرط لازم لقيام دولة مدنية حديثة تقوم على المواطنة المتساوية لا على الانتماء المذهبي أو العقدي.
ثالثاً: اقتصاد الوهم والريع.. حين تصبح الشعوب “أقساطاً مؤجلة”
لا يمكن فصل البنية الفكرية والسياسية عن الواقع الاقتصادي المأزوم. لقد أشرت مراراً إلى خطورة تحول المجتمعات الحديثة إلى ما يشبه “الكازينوهات الكبرى” أو أسواق “الرأسمال الوهمي”.
- حين يفقد العمل المنتج معناه الحقيقي، وتتحول الثروة إلى فقاعات من المضاربات المالية، والديون السيادية، وسندات المستقبل المباع، يفقد الإنسان صلته بالأرض والإنتاج.
- في عالمنا العربي، تجسد هذا التشوه في “الدولة الريعية” التي لا تفرض ضرائب على مواطنيها، وبالتالي لا تقدم لهم حقوقاً سياسية حقيقية؛ فالمعادلة ترسخت طويلاً: لا ضرائب إذن لا تمثيل. هذا الاقتصاد الطفيلي أنتج طبقات اجتماعية تقتات على الفتات، وشباباً مغيباً يعاني من البطالة واليأس، مما يجعل الأرض مرخوة وجاهزة دائماً لاختراقها من قِبل شبكات الجريمة والفساد والحروب الأهلية. إن النقد الاقتصادي هنا ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو كشف لجذور العبودية المعاصرة المتمثلة في الديون والتبعية واقتصاد الدخان.
رابعاً: ثقافة الجسد والرغبة.. الهامش المحرّك للتاريخ
في محاولاتنا لتفكيك دوافع الفعل البشري، غالباً ما نغفل تلك الطبقات التحتية العميقة التي تحركها الغرائز والشهوات. إن التاريخ البشري، بكل حروبه وصراعاته وملاحمه، لم يُبْنَ فقط على الأفكار المجردة والمصالح الاقتصادية البحتة، بل أُسس أيضاً على رغبة مكبوتة في الامتلاك والإغواء والسيطرة.
- إن التحكم في الشهوة، لو قدر للبشر أن يبلغوه، لما كان مجرد تهذيب أخلاقي فردي، بل كان سيقلب بنيات الاقتصاد والسياسة والتاريخ رأساً على عقب، لأنه سيفرغ إمبراطوريات الترفيه، وخطابات الإغواء الاستهلاكي، والحروب النرجسية من محركها الأساسي.
- إن فهم النفس البشرية بعقدها وشهواتها وكبتها هو المفتاح الحقيقي لفهم لماذا تفشل مشاريع التنوير حين تتجاهل البيولوجيا والإنسان الحي وتكتفي بمخاطبة العقول الافتراضية.
إن قراءة الواقع العربي بعين عباس عز الدين النقدية ليست دعوة للعدمية أو البكاء على أطلال التاريخ، بل هي صرخة وعي مبكرة لضرورة “تفكيك البنى الذهنية والمؤسسية التي تبقينا في قاع العالم”. ما لم نخضع كل مسلماتنا الراسخة –سياسية كانت أم دينية أم اقتصادية أم اجتماعية– لمشرط النقد الجذري بلا خطوط حمراء، سنظل نراوح مكاننا في نفس الحلقة المفرغة.
إن التنوير الحقيقي ليس استيرادا أعمى لنماذج غربية جاهزة، ولا هو تقوقع ماضوي مستبد، بل هو “ولادة جديدة لعقل عربي عاقل، حر، منتج، ومتحرر من أوهام السلطة والمقدس المستغل”. تلك هي المعركة الكبرى.. وما عداها فليس سوى تفاصيل صغيرة في كتاب العبث المستمر!



إرسال التعليق