أحلامك التجارية مسروقة مقدماً في بورصة الوهم
بسمة عمران
هل استيقظت يوماً لتكتشف أن عمرك، وجهدك، وحتى أرباحك التي لم تزل في علم الغيب، قد تم بيعها وشراؤها في السوق المالية قبل أن تزرع شجرتها أصلاً؟ أهلاً بكم في معبد “الرأسمال الوهمي”؛ حيث لا يعود مهماً إن كنت تعمل حقاً أم تجلس في بيتك ترقب السقف، فالمهم هو أن هناك من استبق خطواتك وباعك مقدماً. فالأسهم، مثلاً، تمنح حاملها حقاً في الحصول على جزء من الأرباح المستقبلية للشركة. والسند يمنح صاحبه حقاً في الحصول على فوائد أو مدفوعات مستقبلية. أما سندات الدين العام فتمثل حقاً في إيرادات مستقبلية للدولة.!!! نعم، أيتها السيدات والسادة، نحن لسنا سوى “أقساط مستقبلية” تسير على قدمين في مملكة الديون والأوراق الملونة!
أولاً: أسهم الشركات.. حين تُباع “حبة العنب” قبل أن تظهر في الشجرة
دعونا نبدأ بالأسهم؛ تلك الورقة البراقة التي تجعل الجالس خلف الشاشة يظن أنه شريك في إمبراطورية كبرى:
- تشتري سهماً لشركة تباع وتُشترى في البورصة، وما هذا السهم في حقيقته سوى صك ملكية وهمي يمنحك “حقاً مقدساً” في الحصول على جزء من الأرباح المستقبلية للشركة.
- لكن انتظر قليلاً! هل سألت نفسك من أين ستأتي هذه الأرباح المستقبلية؟ إنها تأتي من عرق العمال، وساعات عمل الموظف المقهور الذي يكتب التقارير طوال الليل، ومن جيوب المستهلك البائس الذي يشتري السلعة بضعف ثمنها. أنت جالس في بيتك تحتسي الشاي، وتنتظر مستقبل غيرك أن يتحول إلى أرباح تُودع في حسابك البنكي، بينما أنت لم تلمس طوباً ولم ترفع مكينة! إنها تجارة في “الوعود بالأرباح”، حيث يتحول المستقبل إلى سلعة جاهزة للبيع في المزاد العلني.
ثانياً: السندات وفوائد الهواء.. النوم العقيم يدر ذهباً
وماذا عن السندات؟ تلك الأداة المفضلة لدى البرجوازية التي تكره المخاطرة وتفضل النوم الهادئ بينما الثروة تتكاثر في الخفاء:
- السند يمنح صاحبه حقاً في الحصول على فوائد أو مدفوعات مستقبلية ثابتة، بغض النظر عما إذا كان العالم يشتعل، أو أن المصانع تفلس، أو أن البشر يغرقون في الديون.
- إنها بوضوح تام “تجارة في الزمن”. أنت تقرض جهة ما مالاً، لا لأنك تحبهم أو تؤمن بمشروعهم، بل لأنك تراهن على أن المستقبل سيأتي حاملاً لك فوائد وأرباحاً مجانية جافية من أي جهد عضلي أو ذهني. إنها صكوك العيش على حساب أقساط الزمن القادم.
ثالثاً: سندات الدين العام.. بيع الوطن بالتقسيط المريح
وهنا نصل إلى الطامة الكبرى والدراما السوداء الحقيقية: سندات الدين العام!
- أما سندات الدين العام فتمثل حقاً في إيرادات مستقبلية للدولة.!!! تأملوا هذه الجملة جيداً وافتحوا عقولكم لصدمتها: الدولة، بكل جغرافيتها، وبحارها، وجبالها، وضرائب المواطنين الذين لم يُولَدوا بعد، تتحول إلى أصل مالي يتم بيعه في أسواق الدين العالمية!
- الحكومة اليوم تستدين لتدفع ديون أمس، وتصدر سندات تعهد فيها الدائنين بأنها ستقتطع من “ضرائب أطفالنا وأحفادنا” في المستقبل لتدفع لهم الأرباح والفوائد. بعبارة أخرى، نحن نرهن مستقبل الأجيال القادمة قبل أن تلتقط أنفاسها الأولى على هذه الأرض. المواطن البسيط يدفع ثمن رغيف الخبز والماء والكهرباء، ليذهب جزء من هذا العرق الطاهر لتسديد فوائد سندات عامة يملكها مستثمر جشع جالس في جزيرة نائية!
أيها الأصدقاء، إن العالم المالي الحديث لم يعد يعتمد على الإنتاج ولا على العمل، بل أصبح آلة عملاقة لشفط المستقبل وبيع أرباحه مقدماً. الأسهم تسرق عرق العمال، والسندات تسرق راحة البال، وسندات الدين العام تسرق حتى أمل الأجيال القادمة. فإذا أحسستم باليأس وأردتم أن تعرفوا لماذا تتآكل جيوبكم يوماً بعد يوماً، فاعلموا أن أرباحكم ومستقبلكم قد بيعت في البورصة قبل أن تفتحوا عيونكم في صباح اليوم التالي!



إرسال التعليق