ماذا يريد المحرضون؟.. تشريح في سيكولوجية صناعة الفوضى وتأليب الشارع

أنوار عبد العظيم

في كل منعطف تاريخي حرج، وحين تهتز أركان المجتمعات تحت وطأة الأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية، يبرز على السطح وجه خفي، مدفوع بأجندات خبيثة وشهوات نفوذ عارمة: إنه وجه “المحرض”. إنهم أولئك الأفراد أو الجماعات الذين لا يبنون وطناً ولا يضيئون شمعة، بل يتغذون حصرياً على الدخان والدموع. يسكنون في الظل، ويوجهون أصابع الاتهام والتشويش من خلف الشاشات أو عبر المنابر المأجورة، متخذين من وجع الناس ومطالبهم المشروعة مطيّة لتحقيق أهدافهم الدنيئة. وحين نتأمل بدقة أفعالهم، يبرز السؤال الجوهري: ماذا يريد المحرضون حقاً؟

أولاً: خريطة أهداف المحرضين.. السلطة بلا تكلفة والخراب بلا ثمن

إن المحرض الحقيقي لا يسعى يوماً إلى الإصلاح الحقيقي أو التغيير البناء، فالبناء يتطلب صبراً وعلماً وعرقاً، وهي سلع لا يمتلكها هؤلاء. بل تتمثل أهدافهم الحقيقية فيما يلي:

  1. الوصول إلى السلطة على جثث الأبرياء: يسعى المحرض دائماً لاستغلال طاقات الشباب وعاطفة الجماهير، ليكونوا هم “الوقود” الذي يعبد الطريق أمامهم نحو الكراسي والمكتسبات الشخصية، ليركبوا موجة الاحتجاجات دون أن يتحملوا أدنى مسؤولية وطنية أو أخلاقية.
  2. إحداث الفوضى الخلاقة (أو المدمرة): يدرك المحرضون أنهم لا يمتلكون مشروعاً سياسياً أو فكرياً منافساً يمكنهم من الفوز في معارك الشفافية والبناء، ولذلك يعتمدون استراتيجية “عليّ وعلى أعدائي؛ إن لم أكن أنا الحاكم، فلتحترق البلاد”. الفوضى بالنسبة لهم هي البيئة الحاضنة الوحيدة التي يزدهر فيها صيدهم في الماء العكر.
  3. تصفية الحسابات الشخصية والسياسية: غالباً ما تختبئ خلف شعارات “الدفاع عن الشعب” دوافع أنانية بحتة، كالانتقام من نظام سياسي رفض منحهم امتيازات، أو الرغبة في إسقاط خصومهم عبر تدمير الاستقرار العام للبلاد.

ثانياً: ميكانيزمات التحريض.. كيف يُستدرج الشارع؟

لا يظهر المحرض في العادة بوجهه الحقيقي، بل يرتدي أردية المزيفين والمنقذين، مستخدماً أدوات نفسية وإعلامية دقيقة لترويض القطيع الرقمي والشارع الغاضب:

  • تأجيج الغريزة وإلغاء العقل: يعتمد المحرض بشكل مطلق على مخاطبة الغضب، والشعور بالظلم، واليأس الجمعي. فهو يبتعد عن النقاش العقلاني أو طرح الحلول الواقعية، ليكتفي بنفث الشائعات وتضخيم الأخطاء وإشعال نيران الكراهية.
  • لعب دور الضحية والبطولة الزائفة: يختبئ المحرض الجبان خلف شاشات الهواتف أو في عواصم أجنبية آمنة، بينما يدفع بالبسطاء والشباب إلى خطوط المواجهة الأولى مع قوات الأمن، ليلتقط الصور من بعيد ويبكي دموع التماسيح على ضحايا صنعهم بيديه.

ثالثاً: طوق النجاة.. كيف نجهض مخططات التحرض؟

إن مواجهة المحرضين لا تتطلب فقط الحزم الأمني، بل تستوجب أولاً وقبل كل شيء وعياً مجتمعياً عميقاً:

  • رتق فجوات الظلم والإصلاح الحقيقي: إن أفضل بيئة لطرد المحرضين هي بناء دولة العدالة الاجتماعية وتجفيف منابع الفساد، بحيث لا يجد المخربون ثغرة ينفذون من خلالها إلى وجدان المواطن البسيط.
  • تفعيل التفكير النقدي: أن يتعلم الإنسان كيف يتوقف لحظة قبل أن ينجرف خلف كل نبرة صوت عالية، أو فيديو مغرض، أو دعوة مجهولة المصدر تدعو إلى التخريب. فالوطن يبنى بالكلمة الطيبة والعمل الدؤوب، ولا يُعمّر أبداً بهدم المؤسسات وحرق الطرقات.

إن المحرضين هم تجار الأزمات وأعداء الأوطان الحقيقيون؛ يختبئون في العتمة ويزرعون الأشواك في طريق الشعوب. وحين ندرك ماذا يريدون، فإننا نسحب البساط من تحت أقدامهم. إن وعينا بآليات التلاعب العاطفي والفكري هو الدرع الحقيقي الذي يحمي مجتمعاتنا من أن تتحول إلى ورقة مساومة في أجندات العبث والخراب.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك