عودة جمال بلماضي إلى “الخضر”: بين الحنين الجماهيري، التعقيدات الإدارية، وواقع الاستراتيجية

بهلول يوسف

كلما واجه المنتخب الجزائري لكرة القدم (“الخضر”) أزمة فنية، أو تعثراً غير متوقع، أو دخل مرحلة الشك والبحث عن الهوية، يطفو اسم جمال بلماضي فوق السطح كمرادف لكاريزما مرحلة المجد الذهبي (2018-2022). ومع تداول التكهنات حول مستقبل العارضة الفنية للمنتخب، يعود السؤال الأزلي ليهز أوساط الشارع الرياضي الجزائري: هل يمكن لجمال بلماضي العودة لتدريب “الخضر” مرة أخرى؟

هذا التساؤل لا يترجم مجرد رغبة عاطفية في استعادة أمجاد “تاسع دجنبر” وملحمة الكاميرون، بل يفتح الباب أمام قراءة استراتيجية وموضوعية لمعادلة صعبة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.

أولاً: كاريزما الماضي وتأثير “صانع الملاحم”

لا يمكن لأحد أن ينكر الرصيد المعنوي الكبير الذي يملكه بلماضي في وجدان الجمهور الجزائري. لقد نجح الرجل في بناء جيل تاريخي حصد 35 مباراة دون هزيمة، وتوج بكأس أمم إفريقيا 2019 في مصر بأداء بطولي واستثنائي. هذا الإرث يجعل أي حديث عن عودته محاطاً بهالة من العاطفة الجماهيرية التي ترى فيه المنقذ القادر على إعادة الانضباط، والروح القتالية، والهيبة لقميص المنتخب. بالنسبة للكثيرين، كان خروج بلماضي بعد إخفاق أمم إفريقيا 2023 في كوت ديفوار نهاية درامية غير عادلة لقصة عشق طويلة، مما يغذّي الأحلام المستمرة بعودته لتصحيح المسار.

—ثانياً: العقبات الإدارية والقانونية والمالية لكن بعيداً عن عاطفة المدرجات، تصطدم العودة المحتملة لجمال بلماضي بجدار سميك من الواقع الإداري والتعقيدات القانونية:

  1. الخلافات مع اتحاد الكرة (FAF): انتهت فترة ولاية بلماضي السابقة بتجاذبات إدارية حادة، وملفات مالية وقانونية معقدة مرتبطة بفسخ العقد والتعويضات. إعادة بناء جسور الثقة بين المدرب ومبنى دالي إبراهيم تتطلب تنازلات وتغييرات هيكلية جذرية في محيط الاتحادية.
  2. فلسفة التسيير الجديدة: الاتحاد الجزائري لكرة القدم، بمعزل عن اسم الشخص المشرف على الإدارة، يسعى دائماً إلى اعتماد مشاريع مدمني “التطوير المؤسساتي” وط مئنات المدى الطويل، وهو ما قد يتعارض أحياناً مع نزعة بلماضي الاستقلالية وصارمته المطلقة في اتخاذ القرارات الرياضية بمفرده.

ثالثاً: الجانب الفني والتكتيكي.. هل يحتاج الخضر بلماضي اليوم؟

من الناحية الفنية، يتواجد “الخضر” اليوم في مرحلة تجديد دماء واسعة، مع صعود أسماء شابة جديدة، وتغير في ديناميكية الفريق مقارنة بجيل 2019.

  • فريق يافع يحتاج لصرامة: يرى المؤيدون لعودته أن جيل الشباب الحالي في أمسّ الحاجة إلى مدرب بشخصية قيادية صلبة مثل بلماضي لترويض الغرور وفرض الانضباط التكتيكي الصارم.
  • تحدي الحداثة التكتيكية: في المقابل، يرى المحللون أن كرة القدم الإفريقية والعالمية تطورت بسرعة مذهلة، وأنه إذا عاد بلماضي، فعليه أن يطور من أدواته التكتيكية ومرونته الهجومية ليتجاوز أخطاء المرحلة الأخيرة التي اتسمت أحياناً بالجمود والعناد التكتيكي.

ختاماً.. هل تحدث العودة حقاً؟

في عالم كرة القدم، لا توجد كلمة “مستحيل”، والقصص الكبرى غالباً ما تحمل عودات درامية غير متوقعة. غير أن عودة جمال بلماضي لتدريب “الخضر” لن تكون مجرد قرار إداري عابر، بل ستكون تسوية سياسية ورياضية كبرى تتطلب توافقاً تاماً في الرؤى، وتجاوزاً للخلافات الماضية، وتوفير مناخ عمل يضمن للرجل الاستقلالية الكاملة التي يطلبها.

حتى ذلك الحين، يظل اسم بلماضي شبحاً جميلاً يحوم حول دكة البدلاء، يلوح به الشارع كلما عصفت الرياح بالمنتخب، ويبقى السؤال معلقاً بانتظار ما ستكشفه الأيام القادمة في كواليس الكرة الجزائرية!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك