سأحمل معي سوطاً وسأجلدكم جميعاً!

الدكتور عزام مالك

لقد احتملت طويلاً. صمتُ حتى سال الدمع من عيون طاولتي، وتحملت طابور الخبز، وثرثرة الجيران، وتحليلات الخبراء الإستراتيجيين الذين يخرجون علينا كل مساء عبر شاشات التلفزيون ليخبرونا أن “الأمور على ما يرام”، بينما الحذاء الرياضي البائس في قدمي يوشك أن يُعلن استقالته النهائية. لقد فاض الكيل، وتجاوز السيل الزبا، وقررت أخيراً أن أتحول من مواطن مسالم يكتفي بالتأفف الصامت إلى “مفوض سامٍ” لتعذيب الضمائر.

لذا، أيها السادة، اسمعوها مدوية: سأحمل معي سوطاً.. وسأجلدكم جميعاً!

أولاً: لماذا السوط تحديداً؟ (دراسة جدوى في العقاب الجماعي)

لماذا لا أستعمل مسدساً أو رشاشاً؟ لأن الموت السريع برصاصة واحدة هو تذكرة مجانية للراحة، وأنا لست فاعلاً للخير إلى هذا الحد! الرصاصة تقتل الضحية في جزء من الثانية وتنهي عذابها، أما “السوط”، فهو أداة فنية وتثقيفية بامتياز؛ صوته المفزع لوحده يكفيك ليهز شعرة في رأس الكسلان، وجلداته المتتالية على أرواح المتخاذلين تضمن تذكيرهم بكل خطيئة ارتكبوها بحق العقل البشري. سأطوف الشوارع والأزقة، لا أبحث عن مجرمين خطيرين، بل عن أولئك الذين يمشون ببطء شديد في ممرات مترو الأنفاق، وعن الذين يكتبون تعليقات تبدأ بـ “صباح الخير” مع صورة وردة بلاستيكية في المجموعات الجادة!

ثانياً: جدول الجرد اليومي.. من يبدأ بالنصيب الأكبر؟

العدالة المطلقة تقتضي توزيع الجلد بالترتيب الهرمي والموضوعي لضمان عدم غضب أحد.

  • الفئة الأولى: سائقو الحافلات الذين يعتبرون أن مكابح السيارة أداة تزيينية وليست لتقليل السرعة، حيث ستكون ضربات السوط الأولى مخصصة لتذكيرهم بقوانين الجاذبية الأرضية.
  • الفئة الثانية: أصحاب نظريات المؤامرة الذين يفسرون ارتفاع سعر البصل بأنه مؤامرة كونية تقودها كائنات فضائية من كوكب المريخ.
  • الفئة الثالثة: كل من يرسل رسائل صوتية تتجاوز مدتها سبع دقائق لشرح فكرة تافهة كان يمكن كتابتها في كلمة واحدة (“نعم” أو “لا”). هؤلاء تحديداً سيحصلون على “دورة تدريبية مكثفة” بالصوت والصورة تحت وطأة السوط!

ثالثاً: الديمقراطية بالسوط.. الحل الوحيد للإصلاح البشري

لقد جربنا معكم كل وسائل الحوار الديمقراطي؛ المؤتمرات، الندوات، ورش العمل، وخطب التنمية البشرية التي تُباع في الأكشاك، فلم تجدِ نفعاً. ظل الكسول كسولاً، وظل الثرثار يثرثر، وبقي البيروقراطي ينظر في ملفك المنسي منذ عام ألفين واثنين. لذا، فإن السوط هو اللغَة الوحيدة المتبقية للتفاهم مع هذا العالم المقلوب. لا تحاولوا الهروب، ولا تختبئوا خلف عبارات التسامح المحبة؛ فالحق أبلج، والسوط طويل، وكتفي مستعد تماماً لأداء هذه الخدمة الوطنية الجليلة نيابة عن الملائكة الكرام.

هي دعوة عامة إذن؛ ارتدوا ملابس سميكة، واستعدوا لاستلام حصتكم اليومية من “الجلد الإيجابي الهادف”. فإذا كان العالم يصر على تعذيبنا ببطء عبر الفواتير والأخبار السياسية، فلنصنع نحن بهجتنا الخاصة… وليكن صوت السوط هو الموسيقى التصويرية الجديدة لهذه المهزلة العالمية السعيدة!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك