وهم العودة إلى الماضي أم حتمية البناء الجديد؟ قراءة في مستقبل الجيش العراقي

اللواء متقاعد عبد الباقي جبير

حين يُطرح السؤال حول إمكانية استعادة الجيش العراقي لمستوى قوته وهيبته التي كانت سائدة قبل عام 1990، فإن الإجابة تتطلب أكثر من مجرد قياس أعداد الجنود أو حجم الترسانة العسكرية. إنها تتطلب تفكيكاً دقيقاً لتحولات الجيوسياسة الإقليمية، وتغير طبيعة الحروب الحديثة، والتحديات الهيكلية العميقة التي واجهت الدولة العراقية خلال العقود الثلاثة الأخيرة. فالجيوش لا تُبنى بقرار فجائي، ولا تُستعاد أمجادها بنسخ تجارب الماضي، بل تُصاغ وفق عقيدة قتالية تواكب متطلبات الحاضر والمستقبل.

من منظور استراتيجي بحت، إن الحديث عن العودة بالمعنى الكلاسيكي لجيش ما قبل 1990 هو ضرب من المستحيل الواقعي، وذلك لأسباب جوهرية ترتبط بتغير بنية الدولة وطبيعة التهديدات الأمنية. فذلك الجيش كان يمثل نموذجاً لـ “الدولة الشمولية” ذات الموارد المركزية الضخمة التي كرست اقتصادها ومجتمعها لعقود طويلة نحو بناء ترسانة تقليدية هائلة—سواء من حيث عدد الأفراد الذي ناهز المليون جندي، أو كميات السلاح الهائلة التي تضررت وتلفت إثر حروب الخليج المتعاقبة، وحصار انهك البنية التحتية، وصولاً إلى قرار الحل الكارثي عام 2003 الذي مزق النسيج المؤسسي العسكري وأفرغه من خبراته التراكمية.

وعليه، فإن محاولة استنساخ ذلك النموذج اليوم تعد خطأً استراتيجياً فادحاً؛ لأن طبيعة التهديدات التي تواجه العراق اليوم لم تعد حرب الجيوش النظامية التقليدية على الجبهات الكلاسيكية، بل تحولت إلى حرب غير متوسعة (Asymmetric Warfare)، ومكافحة الإرهاب، وضبط الحدود، والتعامل مع التدخلات الإقليمية وشبكات الجريمة العابرة للحدود. الجيش الذي يحتاجه العراق اليوم ليس بالضرورة ضخماً بعدد بشري هائل يستهلك موازنة الدولة في غير محلها، بل جيشاً محترفاً، تكنولوجياً، رشيق الحركة، ويمتلك عقيدة وطنية جامعة تحميه من التجاذبات الطائفية والسياسية.

ومع ذلك، فإن هذا لا يعني استحالة بناء قوة عسكرية عراقية رصينة ومقتدرة. لقد أثبتت السنوات الأخيرة قدرة المؤسسة العسكرية العراقية، عبر صبرها وتضحياتها الجسيمة في حربها ضد تنظيم داعش، على إعادة ترميم هيبتها وبناء ألوية وقوات خاصة تتمتع بكفاءة ميدانية عالية. لكن طريق الوصول إلى جيش متكامل يحقق الردع الإقليمي يحتاج إلى شروط قاسية ومكلفة: إبعاد المؤسسة نهائياً عن محاصصة المحاصصة الحزبية والولاءات الضيقة، وتطوير الصناعات الدفاعية المحلية، والاعتماد على تدريب احترافي مستدام، وتأمين غطاء جوي ودفاع جوي حديث قادراً على حماية السيادة الوطنية في سماء يملؤها التفكك الاستراتيجي.

تخوض المؤسسة العسكرية العراقية منذ سنوات مخاضاً عسيراً ومعقداً في مسار إعادة بنائها وهيكلتها، سعيّاً لتجاوز تداعيات الانهيارات التاريخية والصدمات الهيكلية المتعاقبة. غير أن هذا المسار لا يزال يصطدم بمنظومة متداخلة من التحديات الجسيمة التي تمس البنية المؤسسية والعمق العقائدي على حد سواء.

التحديات الهيكلية واللوجستية

تبرز العقبات الهيكلية في صدارة العراقيل التي تعيق التحول نحو جيش حديث ومنتظم؛ إذ تعاني المؤسسة غالباً من تداخل الاختصاصات البيروقراطية وتعدد تشكيلات الأجهزة الأمنية الموازية، مما يخلق ازدواجية في القيادة والسيطرة ويعطل اتخاذ القرار الميداني الموحد.

إضافة إلى ذلك، تظل المعضلة اللوجستية وتحديات الصيانة والتسليح المتباينة تمثل عبئاً مالياً وتنظيمياً هائلاً؛ فالاعتماد على مدارس تسليح شرقية وغربية مختلفة يكبد الخزينة العامة تكاليف باهظة في توريد قطع الغيار وتوحيد الأنظمة القتالية، ناهيك عن الحاجة الملحة لتطوير المنظومات التكنولوجية الحديثة مثل الدفاع الجوي المتطور ومنظومات القيادة والسيطرة الإلكترونية (C4I) التي تشكل عصب الجيوش المعاصرة.

التحديات العقائدية وتأثير التجاذبات السياسية

على الصعيد العقائدي والنفسي، تواجه القوات المسلحة تحدياً أخطر يتمثل في محاولات الاختراق الحزبي والولاءات الفرعية (الطائفية أو العرقية أو الجهوية) التي تهدد بروح “العقيدة الوطنية الجامعة”.

تتطلب صناعة الجندي المحترف عزلاً تاماً للمؤسسة العسكرية عن التجاذبات السياسية وصراعات النفوذ الحزبي، غير أن الواقع أحياناً يعكس ترسبات محاصصة تؤثر على آليات الترقي والتعيين وتضعف الاستقلالية المؤسسية. كما أن بناء عقيدة قتالية موحدة تتجاوز الانقسامات المجتمعية وتجعل الولاء المطلق للوطن ورايته وحدها، يستسقي وقتاً وجهداً استثنائياً في التثقيف والتدريب الإداري والقانوني داخل الوحدات العسكرية.

إن تجاوز هذه التحديات الهيكلية والعقائدية ليس أمراً مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة سياسية حقيقية تضع مصلحة الدولة العليا فوق كل اعتبار، وتُخضع المؤسسة لمعايير الكفاءة المهنية الصارمة، ليغدو الجيش العراقي درعاً حصيناً قادراً على حماية السيادة والاضطلاع بمهامه الاستراتيجية بكفاءة واقتدار.

في الختام، إن الجيش العراقي لن يعود إلى “نسخة 1990″، ولن يكون ذلك مطلوباً أصلاً، لكنه قادر على صناعة “هوية جديدة” تكون أكثر احترافية، وعقلانية، ومواكبة لعصر التكنولوجيا العسكرية المتقدمة. إن قوة الجيش الحقيقية لا تقاس بعدد الدبابات في الميادين، بل بعقيدته المستمدة من تراب وطنه، وباحترافية جنديه، وبحجم الدولة الديمقراطية والمستقرة التي يقف درعاً حصيناً خلفها.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك