رئيس دولة و جنرال الجيش

الحقيقة الكاملة كما لم تعرفها من قبل: الخلاف التاريخي بين السادات والشاذلي

العميد: عبد اللطيف نواس بلجي

تظل حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 الملحمة العسكرية الأبرز في تاريخ العرب المعاصر، غير أن طياتها تخفي صراعات كبرى بين رأس السلطة السياسية والعسكرية المتمثلة في الرئيس أنور السادات، ورأس الهرم التخطيطي والعسكري المتمثل في رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق سعد الدين الشاذلي. هذا الخلاف لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر التكتيكية، بل كان اصطداماً عنيفاً بين رؤيتين لإدارة المعركة في أشد ساعات الحرب خطورة، وانتهى بعزل الشاذلي في منتصف المعركة.

رواية الرئيس أنور السادات: لماذا تم عزل الشاذلي؟

في مذكراته الشهيرة “البحث عن الذات”، يقدم الرئيس أنور السادات روايته الدقيقة والحرجة للأسابيع والأيام التي أدت إلى اتخاذ قرار إعفاء الفريق سعد الدين الشاذلي من منصبه، مركزاً على نقاط تحول كبرى تمثلت في الآتي:

1. معركة “الثغرة” وتهمة التباطؤ

يقول السادات في شهادته المؤرخة في 16 أكتوبر 1973:

  • “أرسلت رئيس الأركان الجنرال سعد الشاذلي للتعامل مع الثغرة، وكان من السهل جداً التعامل معها في ذلك اليوم. فقد كان السباق فيها للزمن، ولو أنه نفذ ما طلبته منه أنا والفريق أحمد إسماعيل، وفي التوقيت الذي حددته له، وأحاط شاطئ البحيرة المرة بسد يسجنهم داخلها ويوقفهم في مكانهم، لأصبح من السهل القضاء عليهم، وكان في إمكانه أن ينتهي من العملية كلها بعد وصوله بساعات.”
  • لكن السادات يوجه نقداً لاذعاً لأداء الشاذلي في تلك الليلة الحاسمة قائلاً: “إنه أضاع الليلة بأكملها في جمع المعلومات وإنشاء قيادة له ينافس بها قيادة غريمه الجنرال إسماعيل.”
  • ويشير السادات إلى أن قوات الصاعقة المصرية كانت قد تقدمت إلى الدفرسوار ووصلت فعلاً إلى نقطة النزول وأقر الإسرائيليون بشراسة قتالها، “ولكن الشاذلي أعطاهم الأمر بالانسحاب إلى أن يجمع المعلومات، وكانت النتيجة أن توسع اليهود في الثغرة.”

2. صدمة 19 أكتوبر وطلب الانسحاب

ويستمر السادات في سرد الأحداث ليوم 19 أكتوبر، مشيراً إلى اللحظة الفارقة التي عاد فيها الشاذلي من الجبهة:

  • “عاد الشاذلي منهاراً وقال: لا بد أن نسحب قواتنا في شرق القناة لأن الغرب مهدد.”
  • يرى السادات أن هذا المقترح – لو تم تنفيذه – لكان هو تماماً ما يبتغيه الجيش الإسرائيلي لقلب الطاولة وتحويل نصر أكتوبر إلى هزيمة منكرة.

3. إدارة الأزمة واجتماع القيادة العليا

بناءً على طلب الفريق أحمد إسماعيل في منتصف ليل 19/20 أكتوبر، توجه السادات بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة إلى مقر القيادة لاستعراض الموقف وتقييم الخيارات المتاحة:

  • وجد السادات أن القوات المصرية في وضع قوي للغاية: *“لنا خمس فرق كاملة في شرق القناة وعندنا 1200 دبابة في الشرق أيضاً، أما في الغرب فعندنا فرقة مدرعة تواجه قوات إسرائيل، وفي القاهرة فرقة يمكن سحبها، هذا غير الحارس الجمهوري الخاص بي الذي أدخلته الحرب وقاتل قتالاً مجيداً وعاد كاملاً بكل دباباته.”
  • بعد استعراض الموقف مع قادة القوات المسلحة (الفريق أحمد إسماعيل القائد العام، الفريق الجمسي مدير العمليات، الفريق حسنى مبارك، والفريق محمد علي فهمي قائد سلاح الصواريخ)، أجمع الحاضرون على أنه “لم يحدث شيء يستدعى القلق”.

4. القرار التاريخي وعزل الشاذلي

في تلك اللحظة الحاسمة، اتخذ السادات قراراً اعتبره أهم من قرار خوض حرب أكتوبر ذاتها:

  • “أعطيت الأمر بأن لا ينسحب جندي واحد، ولا بندقية واحدة، ولا أي شيء على الإطلاق من شرق القناة، وأن علينا أن نتعامل مع الغرب حسب الأوضاع الموجودة.”
  • تواصل السادات بنفسه مع الفرقة المدرعة في الغرب بقيادة اللواء (قابيل)، موجهاً إياه: “ثبت الإسرائيليين ولا تجعلهم يتمكنوا من التوسع، وإياك أن تشتبك معهم إلى أن تصلك الإمدادات.”
  • وفي تلك الليلة ذاتها، صدر القرار الحاسم: عزل الشاذلي من رئاسة الأركان، مع الحرص على عدم إعلان القرار فوراً على القوات المسلحة منعاً لأي إرباك محتمل في صفوف الجنود أو استغلاله من قبل العدو، ليتم فوراً استدعاء الفريق عبد الغني الجمسي وتعيينه رئيساً لأركان حرب القوات المسلحة.

خاتمة التحليل

إن الخلاف بين السادات والشاذلي يظل واحداً من أكثر الملفات إثارة للجدل في تاريخ العسكرية العربية؛ فهو يعكس حجم الضغوط الهائلة التي تعرضت لها القيادة المصرية في الأيام الأخيرة للحرب، حيث تباعدت الرؤى بين تخطيط عسكري يخشى التطويق والانقسام (رؤية الشاذلي) وبين إرادة سياسية وعسكرية ترفض التراجع وتؤمن بالصمود والثبات لفرض أمر واقع سياسي وعسكري (رؤية السادات والقيادة العامة).

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك