الذكاء قد يكون مصيبة
شلل العبقرية: حين يتحول الذكاء إلى سجّان!
جميل مرتضى
قد يُغرى الذكي أيضًا بالإفراط في التحليل؛ فيظل يفكر في كل شيء حتى يعجز عن اتخاذ قرار، ويشك في كل قيمة حتى يفقد القدرة على الإيمان بأي شيء. وقد يُدفع إلى البحث عن الكمال، فيؤجل العمل حتى تكتمل الظروف، أو إلى السخرية من البسطاء، فينسى أن المعرفة بلا تواضع قد تصبح نوعًا آخر من الجهل.
إن المأساة الحقيقية للذكاء الحاد لا تكمن في الخصوم المحيطين به، بل في المعارك الداخلية التي يخوضها العقل مع نفسه. فالمرء حين يُمنح هبة التفكير العميق والقدرة على النفاذ إلى ما خلف الظواهر، يجد نفسه مشدوداً إلى حافة هاويةٍ فكرية؛ إن لم يتسلح بالحكمة والتوازن، استحالت تلك الهبة إلى قيدٍ يكبّل حركته ويحرمه من أبسط مظاهر الحياة.
ويمكن تفكيك هذه الآفات النفسية التي تتربص بالعقول الذكية في أربع محطات أساسية:
- شلل التحليل والعجز عن القرار (Analysis Paralysis)
يمتلك العقل الذكي قدرة فذة على استحضار كل الاحتمالات، وقراءة جميع السيناريوهات المتوقعة لأي خطوة. غير أن هذا الامتياز يتطوّر سريعاً إلى مركب عجز؛ إذ يظل الذكي يقلّب الوجوه، ويقيس المخاطر، ويستحضر أدنى نسب الفشل، حتى يدخل في حالة من “التفكر اللانهائي” الذي يُجهد الروح ويشلُّ الإرادة. وفي الوقت الذي يقفز فيه الشخص البسيط نحو العمل بعفوية وشجاعة، يظل العبيل غارقاً في حساباته حتى تفوته الفرص وتمر الحياة من أمامه دون إنجاز يُذكر. - نسبية القيم والوقوع في الشك المطلق
حين يبدأ الذهن الحاد في تفكيك المفاهيم ونقد السائد، يتجاوز التشكيك المنهجي المعتدل ليدخل منطقة “الريبية الشاملة”. يشك في النوايا، يشك في جدوى السعي، ويشك حتى في المفاهيم الأخلاقية والإنسانية الثابتة. هذا الإفراط في التفلسف يُعرّي الروح من أي مرجعية، فيفقد صاحبه القدرة على الإيمان بأي قضية أو التمسك بأي قيمة، ليجد نفسه حائماً في فراغٍ وجودي بارد لا يمنح دفئاً ولا يقدم معنى. - فخ الكمالية والمثالية المجهزة (Perfectionism)
يتوهم الذكي دائماً أن أعماله يجب أن تخرج مبرأة من كل عيب، ومكتملة من كل وجه، كأنها تحفة فنية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. هذا الشغف بالكمال (Perfectionism) يحوله من دافع للإتقان إلى عائقٍ حاسم أمام البدايات. فيؤجل مشاريعة، وينتظر الظروف “المثالية” التي لن تأتي أبداً، لينتهي به المطاف إلى الانكفاء والقعود، مقدماً التأجيل الأبدي على خطورة التجربة والخطأ. - كبرياء المعرفة والسخرية من البسطاء
أخطر الآفات الأخلاقية التي تصيب الذهن الوقّاد هي الترفع الاستعلائي؛ إذ ينظر إلى عفوية البسطاء وبساطة عيشهم بعين الازدراء أو السخرية، معتبراً إياهم مجرد دراويش يعيشون في الأوهام. وينسى هذا العقل المستكبر أن المعرفة التي لا تُورث صاحبها تواضعاً ورحمة هي مجرد “جهل مُقنّع” وثقلٍ على النفس. فالبسيط قد يملك من سكينة البال، وحكمة الفطرة، والقدرة على العيش والامتنان، ما يعجز عن تحقيقه جهابذة الفكر وأرباب النظرية!
إن النجاة من هذه المصايد النفسية تقتضي من الإنسان الذكي أن يدرك حدود عقله، وأن يتنازل قليلاً عن رغبته الصارمة في إخضاع كل شيء للحساب والمنطق.
الذكاء الحقيقي ليس في القدرة على تعقيد البسيط، بل في الشجاعة على الإقدام رغم عدم التاكد، والإيمان بجمال المحاولة وإن لم تكتمل، والتواضع أمام أسرار الحياة التي لا تُدرك بغير الفطرة والقلب السليم.
جميل مرتضى



إرسال التعليق