كيف تصنع الحروب تاريخ الشعوب المنتصرة؟

اللواء متقاعد عبد الباقي جبير

حين تتوقف طبول الحرب، وتتوارى جثث القتلى تحت تراب الميدان، وتبدأ شاحنات الجيش في لمسح آثار البارود، لا تنتهي المعركة حقاً؛ بل تبدأ الحرب الأهم والأطول عمراً: حرب كتابة التاريخ.

في طيات خبرتي الطويلة العسكرية، وعبر قراءاتي المتعمقة في دفاتر الصراعات البشرية، أدركت يقيناً أن السلاح الأكثر فتكاً في ترسانة أي منتصر ليس المدفع الثقيل ولا الطائرة الخارقة، بل “القلم الذي يكتب الرواية”. فالشعوب لا تُهزم فقط لأنها خسرت المعركة على الأرض، بل لأن تاريخها، وهويتها، وملامح بطولاتها تم محوها وتزييفها بعناية فائقة لتتطابق مع مقاسات المنتصر ورغباته. فكيف تزوّر الحروب تاريخ الشعوب؟

أولاً: صناعة البطل الأحادية وإلغاء الآخر

القاعدة العسكرية الأولى في صياغة السردية هي احتكار البطولة المطلقة:

  • في دفاتر الحرب الرسمية، تجد دائماً أن المنتصر هو الفارس النبيل الذي خاض معركة الحق المبين ضد قوى الظلام والهمجية. تُختصر المعارك الكبرى بأكملها في اسم جنرال واحد أو قائد أعلى، بينما يُطمس العرق الدموي والعرق الطيني لآلاف الجنود المجهولين الذين صنعوا النصر بأرواحهم.
  • أما الطرف المنهزم، فلا يُكتفى بهزيمته العسكرية، بل يُعاد وصفه تاريخياً بأنه كان شعباً تائهاً، متخلفاً، لا يستحق تلك الأرض أصلاً، ليصبح الغزو أو القهر مجرد “عملية تأديبية حضارية”! هذا التزييف الممنهج يجرّد الشعوب المهزومة من حقها في رواية قصتها الخاصة.

ثانياً: حرق الأرشيف وتدمير الذاكرة المادية

التزييف العسكري لا يعتمد فقط على الكلمات، بل يبدأ من تدمير الشواهد المادية:

  • عندما تسقط المدن وتحتل العواصم، لا تكون الأولوية للسيطرة على القصور وحدها، بل للمكتبات، ودور الأرشيف، والمتاحف، والنقوش التاريخية. رأينا هذا مراراً عبر التاريخ، من إحراق مكتبة الإسكندرية إلى تدمير أرشيف الحضارات القديمة، وصولاً إلى نهب المتاحف في العصر الحديث.
  • الغاية واضحة: إذا أردت أن تلغي شعباً من الوجود، فاقطع اتصاله بماضيه. حين لا يجد الأبناء وثيقة أو كتاباً يثبت أن أجدادهم بنوا حضارة، يصبح من السهل جداً زرع رواية جديدة تزعم أنهم مجرد طارئين على التاريخ. التاريخ هنا يُعاد هندسته بالديناميت والقرارات الإدارية.

ثالثاً: تحويل الهزيمة إلى مؤامرة والنصر إلى قدر إلهي

تتلاعب الحروب حتى بالحقائق النفسية والاجتماعية عبر تكتيكات التلفيق الإعلامي والسياسي:

  • إذا انتصر الجانب الظالم، يُصور انتصاره كدليل قاطع على العدالة الإلهية وحتمية التفوق الأخلاقي.
  • وإذا انكسر الجيش، تظهر آلة التزييف لتخترق عقول الناس وتُرجع الهزيمة إلى “الخيانة الداخلية والخفية” لا إلى سوء التخطيط أو تفوق الخصم، مما يغذي دوامات الكراهية الداخلية ويُبقي الشعوب غارقة في صراعات أبدية تنسيها من هو العدو الحقيقي.

التاريخ العسكري المزيف ليس مجرد أخطاء في كتب المناهج، بل هو أداة هيمنة تُستخدم لترويض الأمم وإبقائها خاضعة لـ “رواية المنتصر”. إن وعي الشعوب بتاريخها الحقيقي، والبحث عن الحقيقة تحت ركام الدعاية العسكرية، هو الشكل الأرقى للمقاومة. فمن يمتلك زمام ذاكرته، لا يمكن لأي قوة في الأرض أن تستعبد حاضره!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك