الأطماع الإسرائيلية في سورية عبر التاريخ

محمد عبد الكريم يوسف

المقدمة

تُشكّل سورية، بموقعها الجغرافي المحوري ومواردها المائية وامتدادها الاستراتيجي، إحدى أبرز الساحات التي عبّرت عنها الأطماع الإسرائيلية منذ ما قبل قيام الدولة وحتى اليوم. ولا يمكن فهم هذه الأطماع بمعزل عن الرؤية الصهيونية الأوسع لـ”إعادة تشكيل” المشرق العربي، التي لم تكن فلسطين سوى حلقتها الأولى. فمن محاولات الشراء والاستيطان في حوران وباشان أواخر القرن التاسع عشر، مرورًا باحتلال الجولان عام 1967 وضمّه عام 1981، وصولًا إلى مشاريع التقسيم والمناطق العازلة و”ممر داود” بعد عام 2011، ظلّت سورية هدفًا لسياسة إسرائيلية متعددة المستويات: مناطقية, مائية، أمنية، وديموغرافية. تسعى هذه الورقة إلى تتبّع مسار هذه الأطماع عبر التاريخ، وتحليل دوافعها الأيديولوجية والاستراتيجية، والأدوات التي تُنفَّذ بها، مع التركيز على المرحلة الراهنة التي شهدت تصاعدًا غير مسبوق في التدخل الإسرائيلي جنوب سورية.

أولًا: الجذور الصهيونية المبكرة: سورية كمجال للتوسع قبل 1948

1.1 المطامع في حوران وباشان

لم تكن الأطماع الإسرائيلية في سورية وليدة احتلال الجولان عام 1967، بل سبقته بعقود. ففي أواخر القرن التاسع عشر، شجّع عضو حركة “أحباء صهيون” آدم روزنبرغ على شراء أراضٍ رخيصة في منطقة حوران جنوب سورية، وقُدِّرت الملكيات اليهودية هناك بنحو 100,000 هكتار. وتشير دراسات مركز الزيتونة إلى أن “المحاولات اليهودية لامتلاك الأراضي والاستيطان في منطقة حوران” تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. ولم تكن هذه المحاولات منفصلة عن التصور الصهيوني الأوسع الذي رأى في “باشان” (المنطقة الواقعة جنوب غرب سورية، وتشمل القنيطرة ودرعا والسويداء) امتدادًا طبيعيًا للمشروع الاستيطاني.

وتكشف المصادر أن الحركة الصهيونية طالبت بمنطقة حوران الواسعة التي تمتد شمالًا حتى دمشق وجبل الشيخ (جبل حرمون)، واصفة إياه بأنه “مصدر مياه فلسطين”. وهذا الربط بين الأرض والمياه لم يكن عابرًا، بل شكّل ثابتًا في التفكير الاستراتيجي الصهيوني منذ البداية.

1.2 الموقف من السلام مع سورية قبل 1948

يذهب جيروم سلاتر إلى أن إسرائيل “مسؤولة إلى حد كبير” عن الصراع الإسرائيلي–السوري، لأنها قبل حرب 1948 “رفضت فرص التوصل إلى اتفاقات سلام مع ملوك أو حكومات عسكرية سورية معتدلة، لأن ذلك كان سيتطلب إنهاء الأهداف التوسعية الإسرائيلية التي تركز على مرتفعات الجولان”. وبعبارة أخرى، فإن الطموح الإقليمي في الجولان كان منذ البداية عقبة بنيوية أمام أي تسوية، وليس مجرد نتيجة لاحقة للصراع.

ثانيًا: 1948–1967: إدارة المناطق منزوعة السلاح والتحضير للاحتلال

بعد حرب 1948، فُرضت اتفاقية الهدنة عام 1949 التي أنشأت مناطق منزوعة السلاح (DMZs) على الحدود السورية–الإسرائيلية. وتكشف الوثائق الأممية أن سورية طُلب منها الانسحاب من مناطق تجاوزت الحدود الدولية التي احتلتها عام 1948 كشرط لإبرام الهدنة، بينما احتفظت إسرائيل بمواقع داخل المناطق منزوعة السلاح. وقد اعتُبر هذا الترتيب غير متوازن، إذ لم تكن المناطق منزوعة السلاح مجرد ترتيب أمني مؤقت، بل أصبحت ساحة لصراع السيادة والاستيطان.

ويؤكد سلاتر أن مشاركة سورية في حربي 1967 و1973 كانت “جزئيًا النتيجة المقصودة للاستفزازات العسكرية الإسرائيلية المصممة لمنح إسرائيل ذريعة للاستيلاء على المنطقة”. وهذا يعني أن احتلال الجولان لم يكن ردًّا على تهديد سوري وجودي، بل كان تتويجًا لسياسة توسعية ممنهجة راكمت مقدماتها منذ 1949.

ثالثًا: احتلال الجولان (1967) وضمّه (1981): الأرض والمياه والعمق الاستراتيجي

3.1 الأهمية المائية: 14% من الموارد السورية

شكّل احتلال الجولان عام 1967 نقطة تحول كبرى، ليس فقط لأنه وضع إسرائيل على مرتفعات تُشرف على دمشق، بل لأنه منحها السيطرة على مورد مائي حيوي. فمساحة الجولان المحتل (نحو 1,200 كم²) لا تتجاوز 0.65% من مساحة سورية، لكنها تمثل نحو 14% من مخزونها المائي قبل يونيو 1967. وتشير مصادر أخرى إلى أن السيطرة الإسرائيلية تمتد اليوم لتشمل ما يقارب 40% من الموارد المائية السورية الحيوية، وأن بحيرة طبرية وحدها تؤمّن نحو 30% من إمدادات المياه الإسرائيلية.

ولا تقتصر الأطماع المائية على الجولان؛ فقد كشف تحقيق لصحيفة “كالكاليست” الإسرائيلية أن إسرائيل “تسعى للحصول على حقوق استغلال مصادر المياه في جنوب سوريا، خصوصًا نهر اليرموك ونبع الوزاني، كجزء من أي اتفاقية أمنية مستقبلية”. ونقلت الصحيفة عن مصدر حكومي رفيع أن “السيطرة على مصادر المياه في هضبة الجولان والمناطق السورية الحيوية أصبحت ضرورة أمنية قومية”.

3.2 الأهمية الاستراتيجية: الإشراف والعمق

إلى جانب المياه، تُعدّ الجولان ركيزة استراتيجية بامتياز. فهي تُشرف على جنوب سورية وشمال فلسطين المحتلة، وتتصل بجبهات حساسة تمتد نحو لبنان والأردن. وقد ضمّت إسرائيل الجولان رسميًا عام 1981 في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي، لكنها عزّزت الأمر الواقع عبر بناء المستوطنات واستغلال الثروات الطبيعية والتراثية. وبعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، وجدت إسرائيل “فرصة ذهبية” لتوسيع نطاق احتلالها، فاجتاحت المنطقة العازلة واستحدثت قواعد ومواقع عسكرية، وتحدّثت تقارير عن خطط للاحتفاظ بمناطق عميقة داخل الأراضي السورية كمنطقة عازلة دائمة لا تقل عن 25 كيلومترًا.

رابعًا: الأيديولوجيا التوسعية: “إسرائيل الكبرى” و”روّاد باشان“

4.1 “إسرائيل الكبرى” كإطار مرجعي

لا يمكن فصل الأطماع الإسرائيلية في سورية عن الأيديولوجيا التوسعية التي تُعرف بـ”إسرائيل الكبرى” (Greater Israel)، والتي تستند إلى نصوص توراتية وروايات تاريخية تعتبر مناطق واسعة من المشرق العربي، بما فيها سورية ولبنان والعراق، جزءًا من “أرض الميعاد”. وتشير تحليلات مؤسسة “روزا لوكسمبورغ” إلى أن السياسة العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان وجنوب سورية، إلى جانب خطط الضم في الضفة الغربية، تُفسَّر على نطاق واسع بأنها تجسيد لمشروع “إسرائيل الكبرى”. وتُستخدم عبارة “من النيل إلى الفرات” في الأدبيات الإسرائيلية المتطرفة لوصف هذا الطموح، وقد وجدت طريقها إلى خطاب وزراء ونشطاء في الحكومة الإسرائيلية الحالية.

4.2 “روّاد باشان”: حركة استيطانية جديدة في سورية

تجسّد حركة “روّاد باشان” (Pioneers of Bashan)، التي تأسست في أبريل 2025، أحدث تجلٍّ عملي لهذه الأيديولوجيا. فالحركة، التي تضم مستوطنين يمينيين متطرفين، تهدف إلى إقامة مستوطنات يهودية في منطقة باشان التوراتية التي تشمل أجزاء من جنوب غرب سورية (القنيطرة ودرعا والسويداء) وشمال الأردن. وقد عبّر سكان القرى السورية القريبة من مواقع النشاط الاستيطاني عن خشيتهم من تكرار سيناريو النكبة الفلسطينية، قائلين: “نسمع عبارة ‘إسرائيل الكبرى’، ونرجو ألا نواجه نكبة هنا كما واجه الفلسطينيون”. وتكشف هذه الحركة عن تداخل متزايد بين الدولة الإسرائيلية وجيشها والحركة الاستيطانية، في مشهد يُعيد إنتاج نموذج الاستعمار الاستيطاني الذي جرى في الضفة الغربية، لكن على أرض سورية.

خامسًا: مشروع “ممر داود” وتقسيم سورية

5.1 المفهوم والأهداف

يُعدّ “ممر داود” (David’s Corridor) من أخطر المشاريع الاستراتيجية الإسرائيلية المطروحة حاليًا. وهو يقوم على إنشاء ممر بري يمتد من الأراضي الإسرائيلية عبر جنوب سورية وصولًا إلى المناطق الكردية في شمال شرق سورية والعراق، بهدف ربط إسرائيل بحدود العراق وإيران وتركيا، وعزل هذه الدول عن بعضها، ومنع قيام أي محور إقليمي موالٍ لإيران. ووفقًا لتحليلات عربية، يرتكز المشروع على “روايات توراتية” وعلى “رؤية صهيونية مبكرة” تتخيل منطقة تمتد حتى الفرات، وهو ما يجعله امتدادًا عمليًا لمشروع “إسرائيل الكبرى”.

5.2 التقسيم كاستراتيجية: من “المناطق العازلة” إلى “الكانتونات“

لا يقتصر المشروع الإسرائيلي على السيطرة العسكرية، بل يمتد إلى هندسة التقسيم. فوفقًا لتحليلات مركز الزيتونة، تنتمي التوجهات الإسرائيلية الرامية لتجزئة سورية إلى استراتيجية “التدخلات في البيئة الجغرافية السياسية”، التي تستند إلى اقتران وجود الدولة ببلوغ غاياتها عبر السيطرة على المحيط، وتحويل الجيوبوليتيك من النظرية إلى التطبيق. ويُطرح في هذا السياق تحويل سورية إلى “دولة فيدرالية” تُدار مناطقها عبر نفوذ إقليمي، مع احتفاظ إسرائيل بمناطق نفوذ واسعة تمتد حتى “ممر داود”. كما يُطرح إنشاء “كانتونات طائفية” عبر استغلال الصراعات في السويداء، بهدف تقييد النفوذ التركي وتفكيك النسيج الاجتماعي السوري.

ويُعدّ الدروز في جنوب سورية أداة مركزية في هذا المخطط. فإسرائيل تقدّم نفسها “حامية” لهم، بينما تسعى فعليًا إلى إقامة “حزام أمني بشري” يفصلها عن العمق السوري، ويوفّر لها منطقة عازلة تحت ذريعة إنسانية. وتُخصَّص ميزانيات كبيرة لدعم القيادات الدرزية وبناء المدارس والمستشفيات، في إطار استراتيجية “شراء الولاءات” وخلق “بيئة غير معادية” في المناطق ذات الأغلبية الدرزية.

سادسًا: الدوافع غير المعلنة: الأمن، المياه، والهيمنة الإقليمية

6.1 إضعاف سورية وتفكيكها كهدف استراتيجي

يكشف تحليل لصحيفة “طهران تايمز” أن إسرائيل كانت تسعى على الدوام إلى “زعزعة استقرار سورية”، وأن انهيار الجيش السوري في ديسمبر 2024 وفّر “تذكرة ذهبية” للجيش الإسرائيلي لتوسيع نطاق احتلاله. ويُقرّ الجنرال الإسرائيلي المتقاعد عاموس جلعاد بأن “سورية لم تعد تمثل تهديدًا استراتيجيًا لإسرائيل، بل أصبحت فرصة لإعادة تشكيل الأمن الإقليمي لصالحنا”. وهذا التحول في الخطاب يعكس تحولًا أعمق: من إدارة التهديد إلى استغلال الفرصة لإعادة رسم الخريطة.

وتتعدد الأدوات: أكثر من 480 غارة جوية إسرائيلية في العمق السوري خلال عام واحد، لتدمير مخزونات أسلحة متقدمة كانت متجهة إلى حزب الله، وتغيير معادلة الردع بحيث تصبح كلفة إعادة التسلح أكبر من قدرة إيران على التحمل. والهدف النهائي، كما تصفه التحليلات، هو إبقاء سورية “مفتتة وغير قادرة على تهديد تل أبيب أو دعم جماعات المقاومة”.

6.2 التطبيع والهيمنة السياسية

لا تقتصر الأطماع على الأرض والمياه، بل تشمل الهيمنة على القرار السياسي السوري. فالهدف الإسرائيلي، كما يوضح أحمد رفيق عوض، هو “إجبار الدولة السورية على التطبيع بشروطها وإلغاء أي مطلب باستعادة الجولان”، بل “فرض هيمنة كاملة على عملية صنع القرار السوري”. ويُطرح في هذا السياق دمج سورية في “اتفاقات أبراهام” كـ”الحلقة المفقودة” في استراتيجية التطبيع الإقليمي، بشرط قطع علاقاتها مع إيران وحزب الله. وهكذا يتحول “السلام” من تسوية بين طرفين إلى أداة لإعادة تشكيل الإقليم وفق المصالح الإسرائيلية.

خاتمة

إن الأطماع الإسرائيلية في سورية ليست ظاهرة عرضية أو ردّ فعل أمني، بل هي مسار تاريخي طويل الأمد، بدأ قبل قيام الدولة بمحاولات شراء الأراضي في حوران، وتعزّز باحتلال الجولان وضمّه، ثم تحوّل بعد عام 2011 إلى مشروع مفتوح للسيطرة والتقسيم والهيمنة. وتكمن خطورة هذه الأطماع في أنها تجمع بين ثلاثة عناصر: أيديولوجيا توسعية ذات جذور دينية وتاريخية (“إسرائيل الكبرى”)، ومصالح استراتيجية ملموسة (المياه والعمق الأمني والمواقع الجيوسياسية)، وأدوات عملية متجددة (الاستيطان، المناطق العازلة، التحالفات مع الأقليات، والغارات العسكرية). وفي ظل غياب سلطة مركزية سورية قادرة على المقاومة، ووجود دعم أمريكي غير مشروط لإسرائيل، يبدو أن سورية ستظل ساحة مفتوحة لهذه الأطماع لعقود قادمة، ما لم تتشكل إرادة إقليمية ودولية مضادة قادرة على وقف مسار التوسع وإعادة الاعتبار للقانون الدولي والشرعية الدولية.

المراجع

  1. إبراهيم عبد الكريم، “معالم على المسار الإسرائيلي لتقسيم سورية”، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، تشرين الأول/أكتوبر 2025.
  2. إبراهيم عبد الكريم، “الجنوب السوري ومخاطر السيطرة الإسرائيلية”، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت، أيلول/سبتمبر 2025.
  3. Jerome Slater, “The Israeli-Syrian Conflict, 1973–2019,” in Mythologies Without End: The US, Israel, and the Arab-Israeli Conflict, 1917–2020, Oxford University Press, 2020, pp. 192–208.
  4. Johannes Becke, The Land beyond the Border: State Formation and Territorial Expansion in Syria, Morocco, and Israel, SUNY Press, 2021.
  5. The New Arab, “Pioneers of Bashan: The Israeli settlers eyeing land in Syria,” 30 April 2026.
  6. Rosa-Luxemburg-Stiftung, “A Greater Israel Stretching as Far as the Litani River? On the Expansion of Israeli Power in Lebanon and Syria in Ideology and in Practice,” 2026.
  7. Al-Quds, “Protecting the Druze: Israel’s gateway to redrawing its map of influence,” 18 July 2025.
  8. Tehran Times, “New Damascus rulers’ passivity has strengthened Israel’s covetous eye on Syria,” 19 January 2025.
  9. الراي, “إسرائيل تخوض معركة متعددة الأوجه في سوريا لإعادة تشكيل الشرق الأوسط”، 22 يناير 2026.
  10. The New Arab, “What is Israel’s David’s Corridor plan to ‘partition’ Syria?” 28 February 2025.
  11. Point of No Return, “Jewish landholdings in Syria seized in 1940s,” 2 February 2012.
  12. النشرة, “الجولان بوابة إسرائيل للهيمنة على 14% من مخزون سوريا المائي”.
  13. Euronews عربي, “روّاد باشان.. الجيش الإسرائيلي يوقف 14 إسرائيلياً بعد عبورهم من الجولان إلى الأراضي السورية”، 23 سبتمبر 2026.
  14. وثائق الأمم المتحدة, اتفاقية الهدنة السورية–الإسرائيلية 1949 والمناطق منزوعة السلاح.
  15. SANA, “Agresiones israelíes, intento de desestabilizar Siria y violar el Derecho Internacional,” 3 January 2026.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك