مذكرات ضابط شرطة في الريف
جميل مرتضى
الحلقة العاشرة: جماركٌ في ليل الشواطئ
لم يكد قرارُ نقلي إلى العاصمة يتوشح بالختم النهائي، حتى أُرغمتُ على تأجيل مغادرتي لضعة أيام؛ إذ أدت عاصفة ربيعية مفاجئة إلى قطع الطريق الساحلي بين طرابلس وبيروت. عدتُ إلى طاولتي الحجرية في مخفر “عين التوت” شاعراً بأن الجبال تأبى أن تطلق سراحي قبل أن تسلمني آخر أسرارها الدفينة.
في تلك الليلة، وعلى غير العادة، لم يأتِ البلاغ من داخل الضيعة، بل من “النقيب سليم” مسؤول مخفر الجمارك المرابط على شاطئ البحر القريب من أنفة. وصل رسالته مع دركيٍّ يلهث ركضاً: “شحنة ذهب وآثار متجهة إلى خارج البلاد عبر مركب صيد مسلّح، والمداهمة تحتاج إلى قوة حاسمة من رجال الجبل قبل حلول الفجر.”
استدعيتُ الدركي “حليم” والشاب “خليل”، اللذين صارا ظلي ولا يفارقان خطواتي. انطلقنا في ظلمة الليل نحو الساحل السفلي عبر مسالك صخرية زلقة. كانت رائحة الملح واليود تحل محل عبق السنديان والثلج، وأصداء أمواج البحر تضرب الصخور بتلاطمٍ مرعب.
وصلنا إلى المغارة البحرية المعروفة بـ “مغارة الفقمة”. كمنّا خلف الكثبان الصخرية نراقب المشهد: كان هناك مركب صيد متوسط الحجم مطفأ الأنوار، بينما ينقل أربعة رجال صندوقين ثقيلين من الحديد على ظهر قارب مطاطي صغير.
همس حليم وهو يجهّز بندقيته: — “حضرة الملازم، هؤلاء ليسوا مجرد مهربين محليين، إنهم يرتدون بزات خاصة بالمرتزقة الأجانب!”
أدركتُ فوراً أننا أمام الحلقة المفقودة من شبكة “السيد سليم”؛ المافيا التي حاولت ابتزازنا بالوثائق سابقاً كانت تطرد آخر خبيئة لها من أثريات الوطن وذهبه قبل أن تكتمل إجراءات الجلاء وتُغلق المنافذ نهائياً!
صحتُ بنبرة حازمة أخذت صداها جدران المغارة الصخرية: — “الشرطة القضائية! ألقوا السلاح فوراً والمركب محاصر!”
بدلاً من الاستسلام، أطلق المهربون زخاتٍ كثيفة من الرشاشات الخفيفة نحو موقعنا. تبادلنا إطلاق النار بحذر؛ كان “خليل” يعرف تضاريس الشاطئ ككف يده، فتسلل من جهة الماء المالح وجرّ قاربهم المطاطي بعيداً عن الشاطئ، قاطعاً عليهم طريق الهروب نحو المركب الرئيسي.
ارتبك المهاجمون بعد أن وجدوا أنفسهم محاصرين بين رصاصنا من الأعلى ومياه البحر من الخلف. أطلقتُ رصاصة دقيقة أصابت يد قاطر الشحنة، ليستسلم باقي المهربين ويقذفوا أسلحتهم في الماء.
فتحنا الصناديق تحت أضواء الفوانيس؛ كانت تحتوي على قطع ذهبية نادرة وتماثيل كنعانية وأوراق مالية أجنبية أُعدت للتهريب إلى أوروبا.
ابتسم خليل وهو يمسح الماء المالح عن وجهه: — “أرادوا سرقة تاريخ البلاد قبل أن يرحلوا يا حضرة الضابط!”
أجبتُه وأنا أعصب يد أحد الموقوفين: “البلاد التي تحمي تاريخها في الليل، هي فقط التي تستحق حريتها في النهار.”
عدنا بالشحنة والموقوفين مع تباشير الصباح إلى مركز المحافظة، ليتأكد لي أن معركة الوطن لم تكن في الجبل وحده، بل على كل شبرٍ يحاول الفاسدون تجريده من كرامته.
رفعتُ القلم في دفتري، وسجلتُ: “حين يتهيأ المحتل للرحيل، يحاول زبانيته تجريف الأخضر واليابس.. لكن ينبغي للعيون الساهرة أن تظل مفتوحة حتى آخر نَفَس.”
(تتبع الحلقة الحادية عشرة والأخيرة…)



إرسال التعليق