مذكرات ضابط شرطة في الريف.. جريمة قتل امام

جميل مرتضى

الحلقة الثانية: دماءٌ على عتبة المحراب

لم يكد الفجر يفرش نوره الرمادي على جبال “عين التوت”، حتى شقّ صمت الضيعة صوتُ صراخٍ فزع، يتردد صداه بين الوديان. قفزتُ من فراشي المتهالك،سحبتُ معطفي ومسدسي الـ “ويبلي”، وركضتُ برفقة الدركي “حليم” نحو مصدر الصوت في قلب القرية.

عند ساحة المسجد القديم —ذلك البناء الحجري العتيق الذي يعود لعهود المماليك— كان أهالي الضيعة يلتفون في حلقة ذعر ووجوم. وسعوا لنا الطريق بنظرات وجلة، لنقف أمام أعتى مشهد يمكن أن تهتز له قرية جبلية محافظه: الشيخ عبد القادر، إمام الجامع ورجل الصلح والمودة في الناحية، ملقىً على عتبة الحرم الخارجية، مضمخاً بدماء زكية سالت من طعنة نافذة في صدره.

كان مصحفه الصغير ملقىً على بعد خطوات، وسراج النفط الذي يحمله صلاة الفجر مكسوراً.

وقف المختار “أبو أسعد” وسط الجمع، وجهه كالحٌ كرماد الحطب، وقال بنبرة مرتجفة: — “قتلوه وهو قادم لرفع أذان الفجر يا حضرة الضابط.. قُتل الرجل الذي لم يكن له خصمٌ واحد في هذه الجبال!”

رفعتُ جثة الشيخ بحذر مع الدركي حليم. لم تكن هناك آثار لسرقة؛ فخاتمه الفضي وساعته الجيبية ما زالا في جيبه. الجريمة لم تكن بدافع المال، بل كانت رسالة كراهية أو تصفية حسابات صامتة.

بدأتُ المعاينة الميدانية فوراً. الأرض الطينية الندية حول المسجد حفظت بعض الأثر؛ خطوة قدم يسرى عريضة، تفصلها مسافة نادرة عن القدم اليمنى، مميزَة بقطعٍ واضح في كعب الحذاء.

بينما كنتُ أسجل هذه التفاصيل في دفتري، اقترب مني “أبو رشيد”، أثرياء الضيعة وتجارها، وهو يمسح عرقه بمنديل حريري رغم برودة الجو، وهمس في أذني: — “يا حضرة الملازم، الشيخ عبد القادر كان رجلاً طيباً، لكنه في الآونة الأخيرة كان يتردد على مغارة ‘وادي الصفا’ ليلاً.. والجميع يعلم أن تلك المغارة يتخذها قطّاع الطرق ورجال العصابات مأوىً لهم. لا داعي لنبش القبور، اعتبروها جريمة سلب وسجلوا المحضر!”

نظرتُ في عينيه المتربتين بحذر، وتساءلتُ في نفسي: كيف لتاجرٍ يحتسب فلوسه بالقرش أن يهتم بإنهاء تحقيق في جريمة قتل إمام جامع بهذه السرعة؟

عدتُ إلى المخفر، وأغلقتُ الباب. أخرجتُ دفتر التحقيقات، وجمعتُ خيوط الليلة الأولى واليوم:

  1. الشاب “خليل” الذي وُجد مقتولاً عند شير الضبع قبل يومين بحبل مقطوع.
  2. الشيخ “عبد القادر” الذي قُتل اليوم وهو يحمل مصحفه.
  3. وجه الشبه الوحيد بينهما: كلاهما كان يزور مغارة “وادي الصفا”، وكلاهما رفض التنازل عن أرض المحرث العتيقة لصالح مساومات أبو رشيد!

طرق الدركي حليم الباب ودخل يحمل رقاقة ورقية وُجدت مطوية بعناية داخل جيب الإمام المقتول. فتحتها ببطء، وكانت مكتوبة بحبر أسود وبخط الشيخ الدقيق:

“إذا حلّ بي أجل الله، فاعلموا أن سرّ حطب ‘شير الضبع’ ليس في الخشب، بل فيما خُبّئ تحته يوم جلاء الإنكليز..”

رفعتُ بصري نحو خريطة الناحية المعلقة على الجدار الحجري، وشعرتُ أن هذه القرية الهادئة ظاهرياً تقف على بركان من الأسرار والتهريب الدفين منذ أيام الحرب.

قلتُ لحليم وأنا أعبئ مسدسي بالذخيرة: — “غيّر ملابسك العسكرية يا حليم.. الليلة سنزور مغارة وادي الصفا، فالإمام لم يُقتل لأنه رجل دين، بل لأنه كان يحمل مفتاح السر الذي يخشاه كبار الضيعة!”

(تتبع الحلقة الثالثة…)

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك