الرواية الخفية لإنهيار الإتحاد السوفياتي

الرواية الخفية لإنهيار الإتحاد السوفياتي

زياد الزبيدي

ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

28 آب أغسطس 2026

بروخانوف يفتح ملف آب أغسطس 1991 من داخل الرواية التي لم تُكشف

في مقال نشره الكاتب الروسي المخضرم ألكسندر بروخانوف في صحيفة «زافترا» بتاريخ 19 يوليو/تموز 2026، بعنوان «سرّ لجنة الدولة للطوارئ»، يعود الكاتب إلى واحدة من أكثر اللحظات غموضاً في التاريخ السوفياتي الحديث: محاولة الإنقلاب في أغسطس/آب 1991، المعروفة باسم لجنة الدولة للطوارئ، والتي إنتهت خلال أيام قليلة بإنهيار المحاولة، وصعود بوريس يلتسين، وتسارع تفكك الإتحاد السوفياتي.
لكن بروخانوف لا يقدم الحدث بإعتباره إنقلاباً فاشلاً فحسب، ولا بإعتباره مواجهة مباشرة بين أنصار الإتحاد السوفياتي وأنصار “الديمقراطية”. بل يطرح تفسيراً مختلفاً جذرياً: لجنة الدولة للطوارئ، في رأيه، لم تكن عدواً للبريسترويكا، وإنما كانت الفصل الأخير من العملية نفسها التي حملت إسم إعادة البناء.
وينطلق بروخانوف في بناء روايته من معرفة شخصية بعدد كبير من أعضاء اللجنة. فهو يقول إنه عرف معظمهم بدرجات متفاوتة من القرب، وإن علاقاته ببعضهم كانت وثيقة إلى حد الصداقة. يذكر فالنتين بافلوف، وفلاديمير كريوتشكوف، وديمتري يازوف، وفاسيلي ستارودوبتسيف، وفالنتين فارينيكوف، وأوليغ باكلانوف، وفاليري بولدين، وألكسندر تيزياكوف.
ويستعيد الكاتب لقاءاته معهم في الطائرات والمكاتب والمزارع والبعثات الحكومية والمواقع العسكرية، كما يستحضر مشاركته في بعض الرحلات والوفود التي كان عدد من هؤلاء المسؤولين أعضاء فيها. ويشير بصورة خاصة إلى علاقته الوثيقة بأوليغ باكلانوف، الذي دعاه إلى إطلاق الصاروخ «إنيرغيا-بوران»، وإلى علاقته بكريوتشكوف الذي قرأ مقالته «مأساة المركزية» وعلّق على فقراتها بقلمين مختلفين.
كما يذكر بروخانوف أنه كتب نص «كلمة إلى الشعب»، الذي بادر إليه عدد من كبار مسؤولي الحزب، وأن صحيفته سيفودنيا أي «اليوم» كانت، بحسب رواية ياكوفليف، أحد المراكز الفكرية والسياسية المحيطة بالمحاولة.
ومن هنا يقدم نفسه بإعتباره أحد الأشخاص القلائل الذين يستطيعون الحديث عن لجنة الدولة للطوارئ إعتمادًا على معرفة مباشرة بأفرادها، لا على ما كتب لاحقاً عنهم.

«كانوا يقولون إن الوقت لم يحن لكشف السر»

المحور المركزي في رواية بروخانوف هو «سر» ظل أعضاء اللجنة أنفسهم، بحسب قوله، يرفضون الكشف عنه.
فبعد خروج أعضاء اللجنة من سجن «ماتروسكايا تيشينا»، سألهم بروخانوف عما حدث فعلاً في أغسطس. وكان الجواب الذي يقول إنه تلقاه منهم متشابهاً: ما زال الوقت مبكراً لكشف سر لجنة الدولة للطوارئ، ولم يحن أوانه بعد.
لكن السنوات مرت، ومات أعضاء اللجنة واحداً تلو الآخر، من دون أن يكشفوا السر الذي تحدثوا عنه.
وهنا يبني بروخانوف فرضيته الأساسية: إذا كان هؤلاء الرجال قد إمتنعوا عن الكلام حتى النهاية، فإما أنهم لم يكونوا يعرفون الحقيقة كاملة، أو أنهم كانوا يعرفون شيئاً بالغ الخطورة إلى درجة جعلتهم غير قادرين أو غير راغبين في الإفصاح عنه.
وبالنسبة للكاتب، فإن السر لم يختفِ بموت أصحابه؛ بل بقي قائماً، وإن ظل غير معلن.

البريسترويكا بإعتبارها عملية مزدوجة

يفسر بروخانوف السنوات الأخيرة من الإتحاد السوفياتي بإعتبارها عملية ذات مسارين متوازيين.

▪️المسار الأول، في تصوره، كان تفكيك الشرعية الرمزية والأخلاقية للدولة السوفياتية.

فخلال سنوات البريسترويكا، بحسب الرواية التي يقدمها، جرى بصورة منهجية تدمير الرموز والأفكار والمعاني التي قامت عليها الدولة السوفياتية، وإعادة تقديم تاريخها للشعب بإعتباره تاريخاً من العنف والقمع والمآسي.
ويعدد بروخانوف في هذا السياق مجموعة طويلة من الإتهامات التي يرى أن البريسترويكا رسختها في الوعي العام: الدولة السوفياتية بإعتبارها دولة دموية، وقاسية، ومعادية للإنسان؛ دولة دمّرت النظام الزراعي التقليدي، وإضطهدت رجال الدين، وقادت العالم إلى حافة الحرب النووية، وألحقت أضراراً جسيمة بالبيئة الروسية، وإستنزفت الإقتصاد بواسطة المجمع الصناعي العسكري.
ويرى أن هذه الصورة إقتربت من صورة «إمبراطورية الشر» التي أطلقها الرئيس الأميركي رونالد ريغان على الإتحاد السوفياتي.
وبحسب بروخانوف، لم يكن الأمر مجرد تغيير سياسي، بل تحولاً في نظرة الشعب إلى دولته نفسها. فقد بدأ المواطن السوفياتي، في رأيه، ينظر إلى الدولة التي عاش فيها بإعتبارها مصدراً للشر، ثم فقد الإحساس بضرورة الدفاع عنها.
ومن هنا يربط الكاتب بين تلك العملية وبين المأساة اللاحقة للإتحاد السوفياتي، بل وبين الحرب في أوكرانيا اليوم، معتبراً أن ما يسميه «الردة الكبرى» عن الدولة السوفياتية جعل الروس يدفعون لاحقاً ثمناً باهظاً.

▪️المسار الثاني: صناعة مركز موازٍ إسمه يلتسين

أما المسار الثاني، فيتمثل في نظر بروخانوف في صعود بوريس يلتسين بوصفه مركزاً سياسياً موازياً لمركز ميخائيل غورباتشوف.
فغورباتشوف كان يمثل مركز السلطة الإتحادية، بينما ظهر يلتسين بوصفه مركزاً إقليمياً منافساً، مرتبطاً بالجمهورية الروسية.
والأهم في تفسير بروخانوف أن الصراع بين الرجلين لم يكن، في جوهره، مجرد صراع شخصي أو سياسي عفوي، بل عملية جرى توجيهها وإدارتها.
يقول الكاتب إن المراكز السياسية المحيطة بغورباتشوف ويلتسين كانت تخدمها مجموعات متقاربة من المستشارين، وإن صعود الرجلين وصراعهما جرى تنظيمه بواسطة سياسيين محترفين وتقنيين سياسيين.
ومع نهاية البريسترويكا، أصبح يلتسين، في تقدير بروخانوف، مساوياً تقريباً لغورباتشوف من حيث التأثير السياسي.
ويستخدم الكاتب صورة رمزية لافتة: كان هناك، بحسب تعبيره، «برج سباسكايا» حقيقي يمثل المركز الإتحادي، ثم ظهرت إلى جانبه نسخة مصطنعة تمثل مركز يلتسين.
وبالتالي لم يكن المطلوب، في تصوره، إنشاء مركز جديد فحسب، وإنما إزالة المركز القديم والإبقاء على المركز الجديد.
وهنا يصل بروخانوف إلى تفسيره للجنة الدولة للطوارئ.

لجنة الدولة للطوارئ: إنقلاب أم المرحلة الأخيرة؟

وفقاً للرواية التي يطرحها بروخانوف، لم تكن اللجنة قد أنشئت لإيقاف البريسترويكا، وإنما لتوفير اللحظة التي تنتقل فيها السلطة بصورة نهائية من المركز الإتحادي إلى المركز الروسي.
فغورباتشوف، في هذا التصور، كان قد إستنزف الدولة السوفياتية من الداخل، وترك منها ما يسميه بروخانوف «هيكلاً ميتاً». أما يلتسين فكانت مهمته تفكيك هذا الهيكل وتحويله إلى أنقاض.
ويستند الكاتب هنا إلى شهادة ينسبها إلى ألكسندر تيزياكوف بعد خروجه من السجن، مفادها أن غورباتشوف كان يعرف قائمة أعضاء اللجنة، وأنه ناقشها وأدخل تعديلات عليها، وأن بعض الأشخاص أُضيفوا أو أُخرجوا بناءً على إرادته.
ويذكر بروخانوف بصورة خاصة أن فاسيلي ستارودوبتسيف دخل اللجنة بناء على إرادة غورباتشوف.
ومن ثم يرى أن غورباتشوف لم يكن خارج العملية، بل كان جزءاً منها.

فوروس: الغياب الذي غيّر كل شيء

كانت الخطة، بحسب بروخانوف، تقوم على وجود غورباتشوف في فوروس، بعيداً عن موسكو، في الوقت الذي تتولى فيه لجنة الدولة للطوارئ إدارة البلاد لفترة قصيرة.
وكان يفترض، وفق هذه الرواية، أن تقوم اللجنة بتحييد يلتسين وعدد محدود من المقربين منه، وأن تستعيد مؤقتاً السيطرة على جهاز الدولة.
بعد ذلك يعود غورباتشوف إلى موسكو، ويستعيد سلطاته.
لكن ما حدث، في تفسير بروخانوف، كان مختلفاً تماماً.
فغورباتشوف عاد بالفعل، لكنه لم يطالب يلتسين بإعادة السلطة إليه.
ويرى الكاتب أن هذا التصرف كان نقطة التحول الحاسمة. فبدلاً من إستعادة سلطاته، سلّمها عملياً إلى يلتسين.
وبذلك، وفق روايته، تخلى غورباتشوف عن دوره الدستوري كضامن للدستور والدولة، وسمح بإنتقال السلطة من المركز الإتحادي إلى القيادة الروسية الجديدة.
ويعدّ بروخانوف هذا الإنتقال واحداً من الإنقلابات السياسية الكبرى التي شكّلت الطريق إلى ترسيخ حكم يلتسين.

السؤال الأخطر: لماذا لم يُعتقل يلتسين؟

هنا يصل تحليل بروخانوف إلى أكثر نقاطه إثارة.
فهو يقول إن أعضاء اللجنة كانوا يعتقدون أن بإمكانهم، خلال أيام قليلة، إعتقال أو إحتجاز يلتسين وما بين 15 و20 شخصاً من أقرب معاونيه، وبذلك القضاء على المركز السياسي الموازي.
وكان فلاديمير كريوتشكوف، رئيس جهاز أمن الدولة، الشخصية الرئيسية في اللجنة، وصاحب الدور الأكبر في وضع إستراتيجيتها.
لكن الأمر الحاسم، بحسب بروخانوف، هو أن كريوتشكوف لم يصدر الأمر بإعتقال يلتسين.
ويستشهد الكاتب بمجموعة يقودها الجنرال كاربوفين، قائد القوات الخاصة التابعة لجهاز أمن الدولة، كانت تنتظر مرور موكب يلتسين بعد عودته من قرغيزستان.
كانت القوة مستعدة، لكن الأمر لم يصدر.
مر موكب يلتسين من أمام المجموعة، ووصل إلى موسكو.
وهناك صعد يلتسين إلى الدبابة أمام البيت الأبيض، وأعلن لجنة الدولة للطوارئ غير قانونية، ووصف أعضاءها بأنهم إنقلابيون، وإستدعى الجماهير إلى دعمه.
بالنسبة لبروخانوف، لا يمكن فهم فشل اللجنة من دون الإجابة عن هذا السؤال: لماذا لم تستخدم القوة التي كانت تملكها؟

«بحيرة البجع» بدل الحرب الإعلامية

يضيف بروخانوف سؤالاً آخر إلى قائمة الألغاز.
ففي الأيام القصيرة التي تولت فيها اللجنة السلطة، كانت تمتلك التلفزيون ووسائل الإعلام، وكانت قادرة، وفق الكاتب، على إستخدام صحفيين وكتاب معارضين للبريسترويكا.
وكان بإمكانها، من وجهة نظره، شن حملة إعلامية واسعة ضد يلتسين وتشويه صورته سياسياً.
لكن ذلك لم يحدث.
بدلاً من إستخدام الإعلام كسلاح سياسي، ظهرت على الشاشات عروض باليه «بحيرة البجع».
ويحوّل بروخانوف هذه الصورة إلى واحدة من أكثر إستعاراته سخرية: يتخيل أعضاء اللجنة وهم يرتدون ملابس راقصي الباليه ويؤدون حركات «بحيرة البجع»، في مشهد يتناقض بصورة صارخة مع خطورة اللحظة السياسية.
مارشال يازوف، في هذه الصورة الساخرة، يصبح راقصاً على أطراف أصابعه، وياناييف يؤدي حركة راقصة، وحتى ستارودوبتسيف، الفلاح الروسي، يتحول إلى فراشة راقصة.
المغزى الذي يستخلصه بروخانوف هو أن اللجنة بدت وكأنها تقوم بدور تمثيلي أكثر من كونها تخوض معركة سياسية حقيقية.

لماذا دعا شينين الشيوعيين إلى البقاء في منازلهم؟

يضيف الكاتب لغزاً آخر يتعلق بأوليغ شينين، الذي كان يحتل موقعاً متقدماً في الحزب.
فقد نشر شينين، عبر صحيفة «اليوم»، دعوة إلى الشيوعيين بعدم الخروج إلى الشوارع لدعم اللجنة، وإنما البقاء في منازلهم.
ويرى بروخانوف أن هذا السلوك لا ينسجم مع منطق إنقلاب جاد يحتاج إلى تعبئة جماهيرية وتنظيم سياسي واسع.
وهكذا تتراكم في روايته مجموعة من الأسئلة: لماذا لم يُعتقل يلتسين؟ لماذا لم تُستخدم أجهزة الإعلام؟ لماذا لم تتم تعبئة الحزب؟ ولماذا بدت اللجنة وكأنها تقوم بعملية محدودة ومغلقة، بدلاً من خوض مواجهة شاملة؟

القوة التي إنسحبت

في رواية بروخانوف، كانت النتيجة أن القوات المسلحة التي كان يقودها يازوف إنسحبت من موسكو.
ويصف الكاتب هذا الإنسحاب بأنه لحظة حاسمة تركت الدولة من دون حماية في مواجهة صعود يلتسين.
ومع إنهيار اللجنة، إتجه أعضاؤها إلى فوروس لمقابلة غورباتشوف، وإبلاغه بفشل العملية وطلب حمايته.
لكن غورباتشوف، بحسب بروخانوف، لم يوفر لهم الحماية، وإنما طردهم من فوروس وتركهم لمصيرهم.
وبعد ذلك أُلقي القبض عليهم واحداً تلو الآخر وأودعوا السجن.

من إنتصر فعلاً؟

هنا يعيد بروخانوف صياغة السؤال كله.
فإذا كانت اللجنة قد فشلت، فمن الذي إنتصر؟
ليس غورباتشوف، في رأيه، لأن غورباتشوف خرج من الأزمة وقد فقد جزءاً كبيراً من سلطته، ثم إنتهت دولته السياسية سريعاً.
وليس يلتسين وحده، لأن الكاتب يرى أن يلتسين نفسه لم يكن سوى الحلقة التالية في عملية أكبر.
المنتصر الحقيقي، في تفسير بروخانوف، هو ذلك الفاعل الغامض الذي أدار عملية البريسترويكا بأكملها.
ذلك الفاعل، في تصوره، هو الذي صمم مراحل العملية، وأنشأ التوازن بين غورباتشوف ويلتسين، ثم أعد لجنة الدولة للطوارئ بإعتبارها المرحلة الختامية.
وهنا تنتقل المقالة من التحليل السياسي إلى سؤال أوسع: من كان هذا الفاعل؟ وأين كان؟ وما الأدوات التي إستخدمها لتحريك الدولة السوفياتية الضخمة من الداخل؟

مشهد لوبيانكا: لحظة الرعب

يستعيد بروخانوف بعد ذلك واحدة من أكثر ذكرياته الشخصية كثافة.
فهو يقول إنه وقف في ساحة لوبيانكا وشاهد إسقاط تمثال فيليكس دزيرجينسكي، مؤسس جهاز الأمن السوفياتي.
كان التمثال يتأرجح في حلقة فولاذية بعدما أُسقط من قاعدته، بينما كانت نوافذ مبنى جهاز أمن الدولة العملاق مضاءة.
لكن، كما يقول، لم يظهر من أي نافذة ماسورة بندقية قناص توقف من كانوا يهينون رمزاً أساسياً من رموز الدولة السوفياتية.
هذه الصورة، بالنسبة إليه، تختصر شيئاً أعمق من سقوط تمثال.
إنها لحظة شعر فيها بأن منظومة القوة نفسها قد توقفت عن الدفاع عن رموزها.
ويصف بروخانوف الإحساس الذي إنتابه بأنه «رعب كوني»، شبيهاً بما يمكن أن يشعر به راهب عندما تنفتح أمامه صورة الجحيم.

مصائر رجال اللجنة

لا يكتفي الكاتب بتحليل الحدث السياسي، بل يعود إلى مصائر الأشخاص الذين عرفهم.
فبعضهم، كما يقول، إختفى من الذاكرة العامة سريعاً.
أما دميتري يازوف، مارشال الجيش السوفياتي وقائد الجيش الذي شارك في الحرب ضد ألمانيا النازية، فقد وجد نفسه في السجن، مرتدياً ملابس رياضية، ويطلب الصفح من رايسا غورباتشوفا.
أما فالنتين فارينيكوف، أحد أبرز القادة العسكريين، فقد رفض الإعتراف بذنبه حتى النهاية، وخاض المحاكمة، وإنتهى إلى الفوز فيها.
وفاسيلي ستارودوبتسيف أصبح لاحقاً حاكماً لمنطقة تولا في عهد يلتسين.
أما فاليري بولدين، أحد المقربين من غورباتشوف سابقاً، فقد توفي بمرض خطير بعد فترة قصيرة من خروجه من السجن.
ويستعيد بروخانوف بصورة خاصة مصير أوليغ باكلانوف.
كان الرجل مسؤولاً كبيراً عن البرنامج الفضائي السوفياتي، وإرتبط إسمه بمشروع «إنيرغيا-بوران»، الذي يراه بروخانوف أحد أعظم إنجازات التكنولوجيا السوفياتية.

بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي، ظل باكلانوف، بحسب الكاتب، يبعث إلى الكرملين بمقترحات لتطوير قطاع الفضاء، بينما كان يرى مشاريع كبرى تتراجع، ومشروعات فضائية تُنسى، ومنظومة فضائية كاملة تتآكل.
وعندما زاره بروخانوف في المستشفى، وجده، بعد أن كان من كبار رجال الدولة والبرنامج الفضائي، مريضاً في ملابس المستشفى.
ويقول إن باكلانوف بكى أثناء وداعه.

من يقف وراء كل ذلك؟

في القسم الأخير من المقال، تتجاوز أسئلة بروخانوف غورباتشوف ويلتسين وكريوتشكوف وحتى أندروبوف وخروتشوف.
فهو يرفض أن يرى في غورباتشوف وحده العقل المدبر للعملية، ويرفض كذلك تحميل يوري أندروبوف المسؤولية بإعتباره رئيس جهاز أمن الدولة ثم أميناً عاماً للحزب، كما لا يعتبر نيكيتا خروتشوف هو صاحب المشروع النهائي، رغم أن خروتشوف، في تصوره، أسهم في القضاء على إرث ستالين وأخرج الإتحاد السوفياتي عن مساره.
بل يبحث عن شخصية أو قوة أعمق وأقدم.
من هو «الفاعل الأبدي» الذي، في تصوره، يقف في طريق روسيا كلما حاولت بلوغ ما يسميه «الحلم الروسي»؟
ومن هو الذي يرسل، عبر القرون، موجات الغزاة إلى روسيا، التي تقاومهم مرة على نهر الفولغا، ومرة على بحيرة تشود، ومرة في بورودينو؟
هنا تتغير طبيعة السؤال.
لم يعد بروخانوف يبحث عن جهاز إستخبارات أو مجموعة سياسية أو دولة أجنبية.
إنه يبحث عن فاعل تاريخي غامض يتجاوز الأشخاص والمؤسسات والأجيال.

من السياسة إلى «سر الإثم»

في النهاية، يعلن بروخانوف بوضوح أن السر الذي يبحث عنه ليس، في رأيه، سراً سياسياً بالمعنى التقليدي.
إنه «سر ديني».
ويربطه بما سماه المتروبوليت يوحنا، أسقف سانت بطرسبورغ ولادوغا، «سر الإثم».
وهنا تتحول لجنة الدولة للطوارئ من حادثة سياسية محددة إلى جزء من تصور ديني وتاريخي أوسع لمسار روسيا.
فالدولة الروسية، في رؤية بروخانوف، ترتفع إلى القمم المضيئة، ثم تنهار في الهاوية، وتختفي، ثم تعود إلى الظهور.
إنها دورة متكررة من الصعود والإنهيار والبعث.
وبذلك تصبح مأساة آب أغسطس 1991، بالنسبة إلى الكاتب، حلقة في مأساة تاريخية أوسع بكثير من شخصيات تلك المرحلة.

النهاية: السر الذي لم يُكشف

ينهي بروخانوف مقالته بصورة تجمع الماضي بالحاضر.
فهو يقول إن «سر» لجنة الدولة للطوارئ وتدمير الدولة السوفياتية قد ينكشفان يوماً أمام شخص قادر على رؤية ما وراء الأحداث الظاهرة.
وربما يكون هذا الشخص، في تصوره، موجوداً بالفعل بين الروس اليوم.
لا يظهر هنا في مكتب سياسي أو أرشيف حكومي، وإنما في ساحة الحرب، مرتدياً خوذة وسترة واقية من الرصاص، ويحمل المتفجرات، ويتقدم نحو موقع عسكري في محيط كراماتورسك على خط النار في الدونباس.
وهكذا يغلق بروخانوف الدائرة بين آب أغسطس 1991 والحرب الروسية الأوكرانية.
فالرجل الذي بدأ مقاله بإستعادة ذكريات رجال لجنة الدولة للطوارئ، وإنهيار الإتحاد السوفياتي، وإنسحاب الجيش من موسكو، ينتهي إلى صورة مقاتل روسي في حرب معاصرة.

وبين المشهدين، يرى الكاتب تاريخاً واحداً متصلاً: دولة تصعد، ثم تتعرض للتفكيك، ثم تدخل مرحلة من الإنهيار، ثم تبحث عن بعث جديد.

وفي قلب هذا التاريخ يضع بروخانوف «سر لجنة الدولة للطوارئ»؛ لا بإعتباره لغزاً إجرائياً حول من أصدر أمراً أو من إمتنع عن إصدار أمر، فحسب، وإنما بإعتباره مفتاحاً لما يعتبره الكاتب لغزاً أكبر: لماذا إنهارت الدولة السوفياتية من الداخل، ومن كان يدفع عملية الإنهيار خطوة بعد أخرى؟

إن المقالة، في جوهرها، تقدم رواية شخصية وسياسية وتاريخية ودينية لأحداث آب أغسطس 1991. وهي تنطلق من علاقات بروخانوف المباشرة بعدد من أعضاء اللجنة، ومن ذكريات وشهادات ينسبها إلى بعضهم بعد خروجهم من السجن، ثم تبني فوقها تصوراً متكاملاً يرى في البريسترويكا عملية متعددة المراحل، وفي صعود يلتسين جزءاً من صناعة مركز سياسي بديل، وفي لجنة الدولة للطوارئ المرحلة الأخيرة من هذه العملية، وفي فشلها النتيجة التي نقلت السلطة بصورة نهائية إلى مركز جديد.

لكن السؤال الذي يظل مفتوحاً في نهاية النص هو نفسه الذي بدأ منه بروخانوف: من كان ذلك الفاعل الغامض الذي يقف خلف المشهد كله؟

لا يقدم الكاتب اسماً محدداً.

بل يترك السؤال مفتوحاً، وينقله من السياسة إلى التاريخ، ومن التاريخ إلى الدين، ومن الدين إلى تصور شامل لمسار روسيا، حيث لا تكون الدول والأشخاص سوى حلقات في صراع أوسع بين الصعود والسقوط، وبين الدولة التي تسعى إلى الخلود والقوى التي تدفعها نحو الإنهيار.

وهكذا لا يكون «سر لجنة الدولة للطوارئ»، في رواية بروخانوف، سر ثلاثة أيام من أغسطس 1991 فقط؛ بل يصبح، في النهاية، سراً عن روسيا نفسها، وعن تاريخها المتكرر بين الدولة والإنهيار والبعث.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك