هل تهدم الطائرات المسيرة أسطورة الجيوش القوية؟

لقد هدم المنجنيق أسطورة القلاع، فهل تهدم الطائرات المسيرة أسطورة الجيوش القوية؟

محمد عبد الكريم يوسف

المقدمة
“إن التاريخ يعيد نفسه، لكنه لا يكرر أحداثه، بل يعيد منطقها”. بهذه العبارة يمكن تلخيص جوهر العلاقة
بين التكنولوجيا العسكرية والهياكل الدفاعية عبر العصور. فكما كان المنجنيق – ذلك السلاح البدائي في
ظاهره، الثوري في آثاره – نقطة تحول هزت أركان القلاع والحصون المنيفة التي ظلت عصية على
الحصار لقرون، تطرح اليوم الطائرات المسيرة (الدرونز) سؤالاً مماثلاً: هل هي قادرة على هدم
“أسطورة الجيوش القوية” كما هدم المنجنيق أسطورة القلاع؟
يمثل هذا البحث محاولة لاستقراء المنطق التاريخي نفسه في ظاهرتين متباعدتين زمنياً لكنهما متقاربتان
جوهراً. فالمنجنيق والطائرات المسيرة يشتركان في كونهما سلاحين “مقلوبين” للميزان؛ فكلاهما جاء
ليكسر احتكار القوة لصالح طرف معين، وليعيد تعريف مفهوم “التحصين” – سواء كان تحصيناً حجرياً أم
تحصيناً عسكرياً استراتيجياً. وسنحاول من خلال هذه المقارنة التاريخية الإجابة عن السؤال المحوري:
هل نحن أمام نهاية عصر الجيوش التقليدية، أم أمام مجرد تحول تكتيكي آخر في مسيرة الصراع البشري
الطويلة؟

أولاً: المنجنيق – هادم أسطورة القلاع
1.1 نشأة المنجنيق وتطوره
المنجنيق هو آلة حصار تُستعمل لإطلاق القذائف إلى مسافات بعيدة دون الحاجة إلى البارود، وإنما تعتمد
في عملها على الطاقة الكامنة المخزّنة في أحبال ملتوية، أو أقواس مشدودة، أو أثقال معلّقة. يعود أول
ذكر له إلى المؤرخ ديودورس الصقلي الذي وصف اختراعه في اليونان عام 399 قبل الميلاد، قبل أن
يُستخدم هذا السلاح للمرة الأولى في التاريخ عام 397 ق.م. في حصار مدينة موتيا.
تطور المنجنيق عبر العصور، وبلغ ذروته في العصور الوسطى مع ظهور منجنيق الثقل
المقابل (Trebucket)، الذي كان يطلق أحجاراً ثقيلة تزن مئات الكيلوغرامات. وقد استخدمه المسلمون
في حصار الطائف عام 630م، حيث بنى الصحابي سلمان الفارسي هذا السلاح المتقدم في ذلك الوقت.
1.2 المنجنيق والقلاع: علاقة الجدل التكنولوجي
كانت القلاع في العصور الوسطى تمثل ذروة الهندسة الدفاعية. فقد كانت تُبنى بجدران سميكة تصل إلى
3-5 أمتار، من الحجر الجيري أو الجرانيت، وكان البرج المحصن يُعد أقوى أقسام القلعة. كانت هذه
القلاع تمثل “أسطورة” المناعة؛ إذ كان يُعتقد أنها حصون منيعة لا يمكن اختراقها.
جاء المنجنيق ليحطم هذه الأسطورة. فقد أثبت أنه واحد من أهم الآليات الحربية في العصور القديمة
وخلال العصور الوسطى؛ إذ تجلّت أهميته في محاصرة القلاع وتدمير أسوارها. واستُخدمت المجانيق في
الدفاع عن أسوار القدس ضد الغزاة الصليبيين، كما استُعملت في حرق المدن من خارج الأسوار. وقد

وُصف المنجنيق بأنه “سلاح الحصار الأقوى في الحروب القديمة ورمز من رموز الذكاء العسكري في
إدارة المعارك”.
3.1 المنطق التاريخي: لماذا هدم المنجنيق أسطورة القلاع؟
يمكن تلخيص أسباب تحول المنجنيق إلى سلاح “هادم للأساطير” في ثلاثة عوامل رئيسية:
أولاً: كسر احتكار التحصين. القلاع كانت تمثل ميزة دفاعية مطلقة للمدافع. المنجنيق جعل هذه الميزة
النسبية غير مجدية، فلم يعد السؤال “هل يمكن اختراق القلعة؟” بل “كم من الوقت ستستغرق عملية
الاختراق؟”.
ثانياً: تغيير معادلة التكلفة. بناء قلعة كان يستغرق سنوات ويكلف خزائن الملوك. المنجنيق، بالمقارنة،
كان أرخص وأسرع في التصنيع، مما جعل القوة الضاربة في متناول أطراف كانت عاجزة سابقاً عن
تحدي القلاع.
ثالثاً: إعادة تعريف “المناعة”. بعد المنجنيق، لم يعد هناك “قلعة منيعة”؛ أصبحت القلاع مجرد عقبات
تحتاج إلى وقت وجهد أكبر لتجاوزها، لكنها لم تعد مستعصية.

ثانياً: الطائرات المسيرة – هل تهدم أسطورة الجيوش القوية؟
2.1 صعود الطائرات المسيرة في الحروب الحديثة
لعبت الطائرات المسيرة مؤخراً دوراً متنامياً في الصراعات والحروب الإقليمية والأهلية بحيث غيرت
مجرى المعركة وحسمتها لصالح أحد الأطراف. يعود تاريخ صنع الطائرات المسيّرة المتحكم فيها عن
بعد إلى زمن الحرب العالمية الأولى، حين قام المهندس البريطاني أرتشيبالد لو عام 1917 بتطوير أول
نموذج. لكن القفزة النوعية حدثت في العقدين الأخيرين، حيث انتقل استخدام المسيرات من مكافحة
الإرهاب وحروب مواجهة أعمال التمرد العسكري إلى القتال التقليدي على نطاق واسع.
واليوم، أصبحت الطائرات المسيرة عنصراً أساسياً في الحروب الحديثة، حيث لم يعد دورها مقتصراً
على الاستطلاع، بل امتدّ إلى تنفيذ ضربات دقيقة والعمل ضمن أسراب منسقة. وتُعد المسيرات أيقونة
جديدة للحروب المعاصرة، كما لخصت مجلة “لوبس” الفرنسية، مع تصاعد دور المسيرات لتصبح
السلاح الأبرز في صراعات مثل الحرب في أوكرانيا.
2.2 المسيرات والجيوش التقليدية: مواجهة غير متكافئة
تشير الأدلة الميدانية إلى أن الطائرات المسيرة تشكل تهديداً وجودياً للعناصر التقليدية للجيوش القوية،
وعلى رأسها الدبابات. ففي صراع إدلب مطلع عام 2020، خسر النظام السوري – قبل نهاية المعركة –
135 دبابة و77 مركبة مدرعة، استهدفت بشكل منهجي بصواريخ رخيصة ولكنها عالية الدقة تطلق من
الطائرات المسيرة التركية. وفي حرب أوكرانيا، تم استخدام الطائرات المسيرة التركية “بيرقدار TB2”
بشكل ممتاز من قبل القوات الأوكرانية لاستهداف الدبابات الروسية مباشرة.
وقد دفعت هذه التجارب الكثير من المحللين إلى التساؤل: هل انتهى عصر الدبابات “ملكة المعارك”
لصالح الطائرات المسيّرة؟. فالدبابات التي كانت ذات يوم رمزاً للقوة البرية، أصبحت اليوم – بسبب
حجمها وصوتها – قابلة للرصد والاستهداف خلال دقائق.

2.3 كيف تعيد المسيرات تشكيل مفهوم “الجيش القوي”؟
تكشف الوقائع أن تأثير الطائرات المسيرة يتجاوز بكثير مجرد تهديد الدبابات، ليمتد إلى إعادة تعريف
مفهوم “الجيش القوي” ذاته، وذلك من خلال عدة أبعاد:
أولاً: إضفاء الطابع الديمقراطي على القوة الجوية. كانت القوة الجوية حكراً على الدول الكبرى التي
تمتلك طائرات مقاتلة باهظة الثمن وطيارين مدربين. لكن الطائرات المسيرة – كما تشير تقارير بي بي
سي – لم تعد حكراً على القوى العسكرية العظمى، بل أصبحت في متناول المتمردين والدول الأصغر.
هذا التحول يغير عملياً طبيعة المعركة.
ثانياً: قلب معادلة التكلفة. في مفارقة تاريخية مذهلة، أصبح التفوق التكنولوجي للقوى العظمى يشكل عبئاً
استراتيجياً. ففي مشهد يصفه محللون، أطلقت مدمرة أمريكية متطورة صاروخاً اعتراضياً بتكلفة
تتجاوز مليوني دولار لاعتراض طائرة مسيرة لا تتجاوز تكلفتها 20 ألف دولار. هذا “الفخ الرياضي” –
كما وصفته إحدى التحليلات – يعني أن حتى لو حقق نظام الدفاع الجوي نسبة نجاح 100%، فإن تكلفة
الدفاع ستكون أكبر بعشرات المرات من تكلفة الهجوم.
ثالثاً: تغيير مفهوم “الجبهة” و”الخطوط الأمامية”. لم تعد الحرب محصورة في جبهات محددة.
فالمسيرة تستطيع “اختراق وتضرب وتعود أو تتحطم في مهمتها”، وباتت تضع المسيرة مكان الجندي في
الخطوط الأمامية. وهذا يعني أن مفهوم “العمق الاستراتيجي” للجيوش التقليدية أصبح موضع تساؤل.
رابعاً: تمكين الفاعلين من غير الدول. برزت أهمية المسيرات الانقضاضية في الحروب الراهنة لجملة
من الأسباب، لعل أبرزها تكلفتها المنخفضة مقارنة بالأسلحة التقليدية، إذ يمكن لطائرة صغيرة ألا
تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف من الدولارات. هذا يعني أن جماعات مسلحة ودولاً صغيرة يمكنها الآن
امتلاك قدرات جوية كانت في السابق حكراً على القوى الكبرى.

ثالثاً: المقارنة التاريخية – بين المنجنيق والطائرات المسيرة
المعيار المنجنيق الطائرات المسيرة
الزمن العصور القديمة والوسطى القرن الحادي والعشرون
الهدف الأساسي هدم أسوار القلاع استهداف الدبابات والبنية التحتية والاستطلاع
الطرف المستفيد المحاصرون (المعتدون) الدول الصغيرة والجماعات المسلحة
تكلفة السلاح منخفضة نسبياً منخفضة جداً (آلاف الدولارات)
تكلفة المواجهة بناء قلعة ضخم ومكلف صواريخ اعتراضية بملايين الدولارات
تأثيره على
“الأسطورة”

هدم أسطورة “القلعة
المنيعة”

يهدد أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”
رد الفعل الدفاعي تطوير أسوار أكثر سمكاً تطوير أنظمة مضادة للمسيرات (ليزر،

تشويش)

ما يجمع الظاهرتين هو المنطق نفسه: سلاح جديد، رخيص نسبياً، يكسر احتكار القوة لصالح طرف
معين، ويجبر الخصم على إنفاق أضعاف ما ينفقه المهاجم للدفاع عن نفسه. وكما يقول التحليل الذي
نشرته الجزيرة نت: “هذا هو الوجه الجديد لحروب القرن الحادي والعشرين: عصر يتم فيه تفكيك
الأسلحة الباهظة للقوى العظمى من خلال الحسابات الرياضية الصارمة للتكنولوجيا الرخيصة
والمستهلكة”.

رابعاً: هل تنهار “أسطورة الجيوش القوية” حقاً؟
4.1 أدلة على “الهدم”
تشير الوقائع الميدانية إلى أن الطائرات المسيرة حققت إنجازات غير مسبوقة في مواجهة الجيوش
التقليدية:
 في حرب أوكرانيا، أصبحت الطائرات المسيرة السلاح الأبرز في الصراع، حيث انتقلت أوكرانيا
من استخدام طائرات مسيرة تجارية معدلة بأيدي هواة إلى صناعة متقدمة تنتج ملايين الطائرات
سنوياً.
 أثبتت أسراب الطائرات المسيرة قدرتها على إرباك أنظمة الدفاع الجوي واستنزافها، مما يجعل
اكتشافها واعتراضها أكثر صعوبة.
 يُقدّر أن روسيا خسرت في أوكرانيا 279 دبابة في فترة وجيزة، وهو رقم يعكس فعالية الأسلحة
المضادة للدبابات ومنها المسيرات.
4.2 حدود “الهدم”
لكن التاريخ العسكري يعلمنا أن لا سلاح يدوم إلى الأبد، وأن كل تقدم هجومي يتبعه تقدم دفاعي. فهناك
عدة عوامل تحد من قدرة المسيرات على “هدم” أسطورة الجيوش القوية بشكل كامل:
أولاً: التكيف الدفاعي. كما تكيفت الدبابات مع أعداء جدد من قبل – مثل الطائرات والصواريخ المضادة
للدبابات – فهي اليوم تتكيف مع تهديد المسيرات. فالجيوش تعمل على إضافة تكنولوجيا جديدة للدبابات
لتستطيع رصد وحماية نفسها من الطائرات من دون طيار.
ثانياً: تطوير أسلحة مضادة. بدأت أنظمة الليزر المضادة للمسيرات في الظهور، حيث تشير بعض
التقارير إلى أن تكلفة إسقاط طائرة مسيرة باستخدام الليزر قد لا تتجاوز 3.5 دولار فقط. وهذا يعني أن
معادلة التكلفة قد تنقلب مجدداً.
ثالثاً: استمرار دور الجيوش التقليدية. رغم التحديات، لا تزال الدبابات تلعب دوراً مهماً. ففي الأسابيع
الأخيرة، ساعدت الدبابات القوات الأوكرانية على التقدم في منطقة كورسك الروسية. كما أن الجيوش
الكبرى – مثل الجيش الأميركي – تخطط لإنتاج ملايين الطائرات المسيرة سنوياً في تحول إستراتيجي
غير مسبوق، مما يعني أن القوى العظمى تسعى لامتلاك هذه التكنولوجيا وليس القضاء عليها.

الخاتمة
إن السؤال “هل تهدم الطائرات المسيرة أسطورة الجيوش القوية؟” لا يمكن أن يجاب بإجابة قطعية من
نمط “نعم” أو “لا”. فالتاريخ العسكري يعلمنا أن التكنولوجيا لا “تهدم” الأساطير بشكل مطلق، بل تعيد
تعريفها. فكما أن المنجنيق لم ينهِ عمارة القلاع تماماً – بل غيّر شكلها وأساليب بنائها – فإن الطائرات
المسيرة قد لا “تهدم” الجيوش القوية، لكنها بلا شك تعيد تعريف ما يعنيه أن تكون “جيشاً قوياً”.
الجيوش القوية في عصر المسيرات لم تعد تلك التي تمتلك أكبر عدد من الدبابات أو الطائرات المقاتلة
باهظة الثمن فقط. بل أصبحت القوة تُقاس بالقدرة على التكيف السريع، والابتكار التكنولوجي، وفهم
معادلات التكلفة الجديدة، وامتلاك دفاعات مضادة للمسيرات. إن “أسطورة” الجيش القوي لم تنهار، لكنها
تحولت: من أسطورة المناعة إلى أسطورة المرونة والقدرة على التكيف.

وكما لخصت مجلة “لوبس”، فإن المسيرات باتت “رمزاً فعلياً لعصر تتشابك فيه التكنولوجيا مع العنف
بشكل غير مسبوق”. وهذا التشابك يعني أن المستقبل لن يكون لصالح الجيوش الأكبر أو الأغنى فحسب،
بل لصالح الجيوش الأذكى والأسرع في التعلم. وهكذا، يبقى السؤال مفتوحاً على التاريخ الذي لم ينتهِ بعد.

قائمة المراجع

  1. الجزيرة نت (2025). “لوبس: المسيرات تغيّر وجه الحروب وتدفعها نحو نقطة
    اللاعودة”، aljazeera.net، 9 أكتوبر 2025.
  2. بي بي سي عربي (2022). “الطائرات المسيرة: لماذا تمثل مرحلة جديدة في ساحة
    المعركة؟”، BBC News، 6 فبراير 2022.
  3. ArabicPost (2021). “جيش عربي قدَّم الإجابة قبل نصف قرن.. هل تنهي الطائرات
    المسيَّرة عصر الدبابات؟”، arabicpost.live، 17 يناير 2021.
  4. الشرق الأوسط (2026). “هل انتهى عصر الدبابات «ملكة المعارك» لصالح الطائرات
    المسيّرة؟”، aawsat.com.
  5. الجزيرة نت (2022). “هل انتهى عصر الدبابات؟.. تكنولوجيا الأسلحة الخفيفة توقف تقدم الدب
    الروسي في أوكرانيا”، aljazeera.net، 27 مارس 2022.
  6. الجزيرة نت (2026). “المسيّرات الانقضاضية.. سلاح رخيص هزّ عروشا عسكرية
    كبرى”، aljazeera.net، 27 أبريل 2026.
  7. بي بي سي عربي (2026). “أسراب الطائرات المسيرة تربك أنظمة الدفاع الجوي
    وتستنزفها”، BBC News.
  8. ويكيبيديا. “منجنيق”، ar.wikipedia.org.
  9. ويكيبيديا. “منجنيق (ثقل مقابل)”، ar.wikipedia.org.
  10. الجزيرة نت (2026). “هل تنهي المسيرات الرخيصة عصر التفوق
    العسكري؟”، aljazeera.net، 7 أبريل 2026.
  11. IslamStory (2017). “القلاع والحصون عند العرب
    والمسلمين”، islamstory.com، 9 مارس 2017.
  12. Democraticac.de (2026). “المسيرات .. سوق السلاح القادم بقوة”.
  13. Ammannet.net. “الطائرات المسيرة تُعيد صياغة موازين القوى العسكرية”.
  14. الجزيرة نت (2025). “الطائرات المسيّرة وقصة السيطرة على
    الأجواء”، aljazeera.net، 24 يونيو 2025.
  15. الجزيرة نت (2026). “أميركا تخطط لإنتاج مليون طائرة مسيرة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك