نقد الستالينية بين النقد التاريخي والبروباغندا المعادية للاشتراكية

نقد الستالينية بين النقد التاريخي والبروباغندا المعادية للاشتراكية
يمثل نقد الستالينية إحدى أكثر القضايا تعقيداً في دراسة تاريخ الاشتراكية في القرن العشرين، لأن هذا النقد يقع عند تقاطع مستويين مختلفين: المستوى التاريخي الذي يدرس سياسات وممارسات دولة سوفياتية في مرحلة محددة، والمستوى الأيديولوجي الذي يحاول أحياناً تحويل أخطاء تلك المرحلة إلى حكم شامل على الماركسية والاشتراكية العلمية والشيوعية!!!!. ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين النقد العلمي للتجربة السوفياتية وبين توظيفها دعائياً في الصراع بين الرأسمالية و الاشتراكية.
منهجياً، لا يمكن اختزال الماركسية في تجربة الاتحاد السوفياتي، ولا اختزال #الاشتراكية_العلمية في شخص الرفيق : جوزيفستالين. فالماركسية منظومة نظرية لتحليل المجتمع والتاريخ والاقتصاد والصراع الطبقي، بينما كانت الستالينية صيغة تاريخية محددة لإدارة الدولة والمجتمع السوفياتي في ظروف استثنائية.✓

.. فالنقد الماركسي الجاد لا يقوم على التقديس، وإنما على دراسة الوقائع ضمن شروطها المادية والتاريخية، بما فيها الحرب الأهلية، التخلف الاقتصادي، التهديد العسكري، العزلة الدولية، الصراع الداخلي، وتسارع عملية التصنيع.
وبالتالي فإن العبارة المنهجية الأساسية هي:
نقد أخطاء تجربة اشتراكية لا يساوي بالضرورة دحض النظرية الاشتراكية التي استندت إليها.✓
من الخطأ الجزئي إلى التعميم الأيديولوجي تتحول المسألة إلى أداة دعائية عندما يجري انتزاع أحداث محددة من سياقها التاريخي وتحويلها إلى «دليل» على الطبيعة المزعومة لكل مشروع شيوعي!
. فمن القول إن سياسات معينة في عهد الرفيق* ستالين*_ اتسمت بالعنف ، ينتقل الخطاب الدعائي أحياناً إلى القول إن القمع نتيجة حتمية للاشتراكية نفسها!!! وهذا عين المغالطات المنطقية!!!.
وهنا يقع خلط بين ثلاثة مستويات:
أخطاء سياسية ارتكبتها القيادة في حقبة تاريخية مضطربة ضد العدو الطبقي المتمثل في برجوازيين واريتقراطيين مقربين من النظام القيصري البارد والمدعومين سرا وعلنا من القوى الاروبية الإمبريالية!!
و طبيعة النظام السياسي والاجتماعي الذي نشأ في الاتحاد السوفياتي. الذي يلعب كل اشكال الملكية الخاصة و الامتيازات الحصرية الاوليغارشية والبرجوازية المتحالفة معها ..من جهة مع المبادئ الأساسية للماركسية والاشتراكية العلمية.
وهي مستويات لا يجوز دمجها دون برهنة تاريخية ومقارنة مؤسساتية.
معيار مزدوج في قراءة التاريخ
تكمن إحدى الإشكالات الكبرى في أن بعض الخطابات المعادية للشيوعية تتعامل مع تاريخ #الاتحادالسوفياتي بمعيار مختلف عن تعاملها مع تاريخ الأنظمة الرأسمالية و الإمبريالية. فحين تُذكر الاعتقالات لمخربين برجوازيين أو الإعدامات لقيادات الثورة المعادية ل #دكتاتوريةالبروليتاريا أو الممارسات العنيفة السياسي في عهد ستالين، تُقدَّم أحياناً باعتبارها دليلاً على «طبيعة الشيوعية»!!!!. لكن عند دراسة تاريخ القوى الاستعمارية، يجري أحياناً فصل الجرائم عن النظام الاقتصادي والسياسي الذي أنتجها، أو اختزالها في «تجاوزات استعمارية» منفصلة عن بنية الاستعمار ذاتها.!!!!
وقعت في عهد ستالين بعض الانتهاكات ، ولا يمكن للباحث الجاد أن ينكر ذلك أو يبرره. لكن المقارنة مع النازية والفاشية يجب أن تكون دقيقة أقرب لتحليل سوسيولوجي وسيكولوجي، لأن الأنظمة تختلف في أيديولوجياتها وأهدافها وبنيتها الاجتماعية والسياسية.!
ف #النازية الألمانية قامت على العنصرية البيولوجية، والتوسع الإمبريالي، والحرب الإبادة، والاضطهاد المنهجي لليهود والغجر وغيرهم، وشن حرب إبادة في أوروبا الشرقية، وانتهت إلى المحرقة وحرب عالمية أوقعت عشرات الملايين من الضحايا.!!!!
أما الفاشية الإيطالية وغيرها من الحركات الفاشية فقد مارست القمع السياسي والعنف الاستعماري والتوسع العسكري، ومن أبرز الأمثلة الجرائم التي ارتكبها النظام الإيطالي في ليبيا وإثيوبيا.!!!!
لذلك فإن المقارنة الجادة لا ينبغي أن تقول: «ستالين يشبه الارهابي Hتلر» بصورة تلقائية، كما لا ينبغي أن تقول إن الجرائم التي ارتكبت في الاتحاد السوفياتي لا تستحق النقد رغم انها بسيطة جداً وأقل لكثير من الجرائم النازية.
المقارنة العلمية تسأل بدلاً من ذلك: ما طبيعة العنف؟ ما أهدافه؟ من هم المستهدفون؟ ما بنيته المؤسسية؟ وما علاقته بالمشروع الاجتماعي والاقتصادي للدولة؟!!!!
الاستعمار الإمبريالي وعنف الدولة حينها تكتسب المقارنة بعداً أوسع عندما ننتقل إلى التاريخ الاستعماري الأوروبي في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
فالعنف الاستعماري لم يكن مجرد سلسلة من «الأخطاء الفردية»، بل ارتبط في حالات عديدة ببنية سياسية واقتصادية تقوم على الاحتلال، استخراج الموارد، فرض العمل القسري، مصادرة الأراضي، إخضاع السكان، وقمع حركات التحرر الوطني.!
ومن الكونغو في عهد الملك *ليوبولد الثاني* إلى الجزائر و الهند و كينيا، ومن إندونيسيا إلى فيتنام، ومن حروب الاستعمار الإيطالي في #ليبيا و #إثيوبيا إلى التدخلات الإمبريالية في أمريكا اللاتينية، تكشف التجربة التاريخية عن استخدام واسع للعنف من جانب القوى الاستعمارية والإمبريالية اشد عنفا الزمن طويل من الحقبة الميركانتيلية وصولا للثورة الصناعية الراسمالية ونشوء الاحتكارات الكبرى قدرات بالكامل بحضاراتها وشعوبها ومواردها الطبيعية تم تدميرها لدرجة الاستعباد وقتل الملايين من البشر عمدا خدمة للجشع الراسمالي.!
لماذا تُستخدم جرائم الأنظمة الاشتراكية أحياناً لإدانة الاشتراكية كفكرة، بينما لا تُستخدم الجرائم الاستعمارية والرأسمالية بالضرورة لإدانة الرأسمالية كنظام اقتصادي؟!!
مناهضة الشيوعية والحرب الأيديولوجية إذ خلال القرن العشرين، لم يكن الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي مجرد تنافس جيوسياسي؛ بل كان صراعاً أيديولوجياً عالمياً. ولذلك أصبحت صورة الاتحاد السوفياتي والشيوعية موضوعاً مركزياً في الدعاية المناهضة للشيوعية.!
وفي هذا السياق، يمكن فهم كيفية استخدام بعض الوقائع التاريخية الحقيقية ــ بما فيها بعض الانتهاكات المزعومة التي حدثت في الحقبة الستالينية ــ في بناء سردية أوسع تقول إن أي محاولة لإلغاء الملكية الرأسمالية أو بناء اقتصاد اشتراكي تنتهي حتماً إلى الاستبداد.!!!!!!!؟
لكن هذا الاستنتاج يتطلب برهاناً تاريخياً لا توفره مجرد الإشارة إلى تجربة واحدة.✓
فقد كانت الخلافات داخل الحركة الاشتراكية والشيوعية حقيقية وعميقة،…بين ماركس_ وباكونين_ وبين لينين_ وكاوتسكي_ وشملت قضايا الديمقراطية، والدولة، والحزب، والثورة، والإصلاح، والعلاقة بين التخطيط والسوق.
بعض التيارات التي انتقدت الستالينية بقيت ماركسية أو شيوعية، وبعضها اتجه إلى الاشتراكية الديمقراطية، وبعضها أصبح معادياً للشيوعية. لذلك فإن مفهوم التحريفية ينبغي استخدامه بوصفه مجرد مفهوم سياسي وليس عيب في البنية الأيديولوجيا للنظرية العلمية!.
النقد الماركسي الأكثر قوة ليس إنكار بعض التجاوزات ولا يعني تبريرها، بل تحليل شروط إنتاجها. والسؤال المادي التاريخي هو: كيف أثرت الحرب والعزلة والتخلف الاقتصادي وبنية الدولة والصراع الطبقي والصراع داخل الحزب في تطور النظام السوفياتي؟!
وفي الوقت نفسه ينبغي دراسة النجاحات التاريخية للتجربة السوفياتية، مثل التصنيع السريع، والقضاء على الأمية على نطاق واسع، وبناء قاعدة صناعية ضخمة، ودور الاتحاد السوفياتي الحاسم في هزيمة ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية، إلى جانب دراسة كلفة هذه التحولات الإنسانية والسياسية.✓
فالتحليل الذي يكتفي بالنجاحات يتحول إلى تبرير، والتحليل الذي يكتفي ببعض التجاوزات يتحول إلى دعاية؛ أما التحليل التاريخي فيبحث عن العلاقة الجدلية بين الإنجاز والتناقض والخطأ والبنية الاجتماعية.!
إن نقد (الستالينية ) مشروع تاريخي وفكري لا غنى عنه، لكن تحويل هذا النقد إلى إدانة شاملة للماركسية والشيوعية يمثل قفزة استنتاجية لا يبررها التاريخ بالضرورة!!!!.
وفي المقابل، فإن مقارنة بعض التجاوزات خلال حكم الرفيق ستالين_ بجرائم النازية والفاشية والاستعمار والإمبريالية لا ينبغي أن تتحول إلى عملية تبرئة نسبية؛ فالمقارنة تصبح مشروعة لأن قوة أخرى أي الإمبريالية الاروبية ارتكبت جرائم حقيقية لزمن طويل وامتداد جغرافي و ديموغرافي أوسع وأكبر بكثير!!!!.
المعيار الماركسي الأكثر صرامة هو أن كل عنف سياسي وقمع جماعي يجب أن يخضع للنقد التاريخي، أياً كان مرتكبه، مع تحليل شروطه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وعليه، فإن المعركة الفكرية الحقيقية ليست بين «تمجيد ستالين» و«شيطنة الشيوعية»، وإنما بين قراءة تاريخية نقدية للتجربة الاشتراكية وبين توظيف انتقائي للتاريخ لإثبات أن الرأسمالية لا بديل عنها.!!!!!؟
فالاشتراكية العلمية لا تُدافع عنها بإخفاء بعض أخطاء المنتسبين إليها، وإنما بامتلاك القدرة على نقد الماضي، واستخلاص دروسه، وفهم تناقضاته، وتطوير مشروع يتجاوز أخطاء التجارب السابقة دون التخلي عن نقد الاستغلال الرأسمالي والصراع الطبقي بوصفهما موضوعين مركزيين في التحليل الماركسي.✓

…يبقى أخيرا ستالين مناضل ثوري شيوعي شجاع وقوي حقق انجازات اقتصادية و اجتماعية ملموسة جعلت اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية قوة عالية عسكريا وعلميا وحتى في مجالات القوة العسكرية و تكنولجيا الفضاء والطاقة النووية إلى الآن مصدر فخر واعتزاز للأمة الروسية أيضاً ✓


= د. سمير منصري -باحث في علم الاجتماع/_شيوعي ماركسي تونسي.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك