اخر الاخبار

إصلاح المنظومة الصحية… لماذا تنجح دول بموارد أقل بينما تتعثر دول تنفق أكثر؟

لا توجد دولة في العالم استطاعت بناء منظومة صحية محترمة بمجرد إنشاء مستشفيات جديدة أو شراء أجهزة حديثة. فالصحة ليست مباني، وإنما نظام متكامل لإدارة الإنسان والمال والمعرفة والتكنولوجيا.
تجارب العالم تثبت أن الدول التي حققت أفضل النتائج الصحية ليست بالضرورة الأكثر إنفاقًا، وإنما الأكثر كفاءة في إدارة مواردها. فالولايات المتحدة تنفق على الصحة أكثر من أي دولة في العالم، ومع ذلك لا تتصدر مؤشرات الأداء الصحي أو متوسط العمر المتوقع، بينما تحقق دول مثل اليابان والدول الإسكندنافية نتائج أفضل بكفاءة أعلى في إدارة الموارد.
في مصر، يقترب عدد السكان من 110 ملايين نسمة، ويزداد بنحو مليوني مواطن كل عام، وهو ما يعني أن أي تطوير في الخدمات الصحية يلتهمه النمو السكاني سريعًا إذا لم يصاحبه تخطيط طويل الأجل.
كما تشير البيانات الرسمية إلى وجود عشرات الآلاف من الأطباء المسجلين في المؤسسات الحكومية، لكن المشكلة الحقيقية ليست عدد الخريجين، وإنما استمرار هجرة الأطباء والاستقالات، وسوء توزيع القوى البشرية بين المحافظات والتخصصات، وهو ما يخلق مستشفيات حديثة بلا عدد كافٍ من الأطباء في بعض المناطق.
وتشير الإحصاءات أيضًا إلى أن كثافة الأطباء في مصر تقل عن المتوسط العالمي، وهو ما ينعكس مباشرة على قوائم الانتظار، وضغط أقسام الطوارئ، وزيادة ساعات العمل، والإرهاق المهني، وهو ما يدفع مزيدًا من الكفاءات إلى السفر للخارج، فتدخل المنظومة في دائرة مفرغة.
لكن الأزمة ليست أزمة أطباء فقط، وإنما أزمة إدارة. فالإدارة الصحية الحديثة تقوم على قاعدة بسيطة: “القرار يجب أن يُبنى على البيانات”. كم سريرًا تحتاج كل محافظة؟ كم طبيبًا في كل تخصص؟ كم جهاز أشعة يعمل بالفعل؟ كم دقيقة ينتظر المريض حتى يُكشف عليه؟ هذه المؤشرات هي التي تقود الإصلاح، لا الانطباعات الشخصية.
ومن أخطر ما يواجه أي منظومة صحية غياب الملف الطبي الإلكتروني الموحد. ففي كثير من الدول يستطيع الطبيب الوصول إلى التاريخ المرضي للمريض خلال ثوانٍ، بينما لا يزال كثير من المرضى في الدول النامية يحملون الأشعات والتحاليل والأوراق من مستشفى إلى آخر، وهو ما يهدر الوقت والمال ويكرر الفحوص دون داعٍ. وتشير دراسات حديثة إلى أن التحول الرقمي في القطاع الصحي أصبح أحد أهم عوامل رفع الجودة وخفض التكلفة.
كما أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الرعاية الصحية الأولية، لأن أكثر من 80% من المشكلات الصحية يمكن التعامل معها داخل وحدات الرعاية الأساسية إذا كانت مجهزة جيدًا، وهو ما يقلل الضغط على المستشفيات الجامعية والمراكز المتخصصة ويوفر مليارات الجنيهات سنويًا.
ولا يمكن الحديث عن إصلاح صحي دون وجود نظام صارم لقياس الجودة. ففي الدول المتقدمة لا تُقاس المستشفى بعدد الأسرة، بل بمعدلات العدوى، ونسب الوفيات، ورضا المرضى، ومدة الانتظار، ونسب إعادة دخول المريض للمستشفى خلال ثلاثين يومًا، وهي مؤشرات تعلن بشفافية وتُراجع بصورة دورية.
كما أن القطاع الخاص يجب أن يكون شريكًا في تقديم الخدمة، لكنه لا يمكن أن يعمل دون قواعد واضحة للتسعير والجودة والرقابة. فالدولة الذكية لا تنافس القطاع الخاص، وإنما تنظم عمله وتحمي المواطن من المغالاة وتحافظ في الوقت نفسه على استدامة الاستثمار.
إن إصلاح المنظومة الصحية يحتاج إلى خمس ركائز أساسية: تخطيط علمي طويل المدى، وإدارة محترفة، وتحول رقمي شامل، وتنمية الموارد البشرية، ونظام صارم لقياس الجودة والمحاسبة. أما الاكتفاء بالإعلان عن افتتاح مستشفى جديد أو شراء جهاز جديد، فهو إنجاز مهم لكنه ليس إصلاحًا كاملًا.
فالمواطن لا يسأل كم مليارًا أُنفقت، ولا كم مستشفى افتُتحت، بل يسأل سؤالًا واحدًا: هل أستطيع عندما أمرض أن أجد طبيبًا، وسريرًا، ودواءً، وخدمة محترمة دون معاناة؟
عندما تصبح الإجابة عن هذا السؤال “نعم”، عندها فقط نستطيع أن نقول إن المنظومة الصحية قد أُصلحت بالفعل.

د محمد إبراهيم بسيوني

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك